14 -ثم ذكر سببًا آخر في الحاجة إلى طلب العون، وهو خوفه أن يقتل قبل تبليغ الرساله، فقال: {وَلَهُمْ} ؛ أي: لقوم فرعون {عَلَيَّ} ؛ أي: بذمتي {ذَنْبٌ} ؛ أي: جزاء ذنب وموجبه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والمراد به: قتل القبطي الذي هو خبّاز فرعون بالوكزة التي وكزها دفعًا عن القبطي، وإنما سماه ذنبًا على زعمهم {فَأَخَافُ} إن أتيتهم وحدي {أَنْ يَقْتُلُونِ} بمقابلته قبل أداء الرسالة كما ينبغي، فيفوت المقصود من الرسالة، وأما هارون فليس له هذا الذنب، وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلًا عن الفضلاء.
قال بعضهم: ليس بعجب طريان خوف الطبيعة وصفات البشرية على الأنبياء، فالقلب ثابت على المعرفة. واعلم أن هذا وما قبله ليس تعللًا وتوقفًا من جانب موسى، وتركًا للمسارعة إلى الامتثال، بل هو استدفاع للبلية المتوقعة قبل وقوعها، واستظهار في أمر الدعوة، وحقيقته: أن موسى عليه السلام أظهر التلوين من نفسه ليجد التمكين من ربه وقد أمنه الله،
15 -وأزال عنه كل كلفة حيث {قَالَ} تعالى {كَلَّا} ؛ أي: ارتع عما تظن يا موسى، فإنهم لا يقدرون على قتلك به؛ لأني لا أسلطهم عليك، بل أسلطك عليهم {فَاذْهَبَا} ؛ أي: اذهبب أنت والذي طلبت وهو هارون، فالخطاب إليهما على تغليب الحاضر، وفي ضمن هذا الجواب دليل على إجابة موسى إلى ما طلبه من ضم أخيه إليه؛ أي: إذهبا ولا تخافا من القبط حال كونكما متلبسين {بِآيَاتِنَا} التسع التي هي دلائل القدرة، وحجة النبوة، وهو رمز إلى دفع ما يخافه {إِنَّا مَعَكُمْ} تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما بضمان كمال الحفظ والنصرة، وأجراهما مجرى الجمع حيث قال: {مَعَكُمْ} ؛ لكون الاثنين أقل الجمع على ما ذهب إليه بعض الأئمة، أو لكونه أراد موسى وهارون وفرعون وقومه، فمع موسى وهارون بالنصر والعون، ومع فرعون بالقهر والكسر، أو لكون المراد هما مع بني إسرائيل. و {مَعَكُمْ} خبر أول لـ {إن} {مُسْتَمِعُونَ} ؛ خبر ثان لها، أو هو الخبر وحده، و {مَعَكُمْ} ظرف لغو متعلق به، وحقيقة الاستماع طلب السمع بالإصغاء، وهو تعالى منزه عن ذلك، فاستعير للمسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات من غير إصغاء.