ينكر الله - تعالى - عليهم ما هم فيه من إعراض وتكذيب واستهزاء بآيات الله الكونية بعد أن أعرضوا وسخروا من آيات الله التنزيلية، أي: أفعلوا ما فعلوا، وأصروا على الكفر والتكذيب ولم ينظروا إلى الأرض وما فيها من عجائب تدعوهم إلى الإقبال على الله إيمانا وتصديقا، وتمنعهم وتزجرهم عما اقترفوه من السخرية والإعراض عن آيات القرآن الكريم - أفلم ينظروا إليها - وهي تنبت ما يفيد الناس وينفعهم من نبات يختلف صورة ومنافع.
فلو أن الأمر لطبيعة الأرض، لما أنبتت نباتا، فإنها لا عقل لها ولا تدبير ولا قدوة ولا إرادة وقوله: {كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} استئناف لبيان ما في الأرض من أمور تثير العجب وتدعو إلى الإيمان بالواحد الديان، أي: أنبتنا في الأرض من كل صنف جليل النفع عظيم الفائدة، يدرك ذلك كله من أنعم الله عليه بنعمة الفهم الدقيق والإدراك السليم، وأمده ببصيرة نافذة نيرة، ويغفل عنه الغافلون فلا يعقلون.
وفي الأرض أصناف وأنواع لم يعرف نفعها البشر، وتتجلى لهم منافعها على الأيام عندما يحتاجون إليها في أُمور معاشهم وصلاح حالهم، كما أن هناك أشياء يظنها الناس ضارة لا نفع فيها ولكن الحاجة قد تلح في طلبها، وتدفع إليها، ولا يغنى عنها سواها في إصلاح أمر أو علاج علة أو إبراء مريض"ومن السموم الناقعات دواء".
8 - {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
أي: إن فيما سبق من إنبات الأرض لكل الأصناف والأنواع التي تعين الإنسان وتقيم حياته، وتكون متاعا له ولأنعامه مع عجزه عن تدبير ذلك، إن في ذلك لدلالة واضحة وبرهانا ساطعا، على قدرة الله، وأنه - سبحانه - هو الجدير وحده بأن يؤمن به الناس كافة:"ففي كل شيء له آية: تدل على أنه الواحد"ولكن أكثر هؤلاء استمر على الكفر والتكذيب مع عظم الآية وسطوع البرهان، وانبلاج الحجة التي توجب أن يكونوا مؤمنين منقادين مذعنين.
9 - {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} :