هذا بيان لشدة عنادهم وتماديهم في باطلهم وإصرارهم على ما كانوا عليه من الكفر، والتكذيب، فقد لجوا في الطغيان وتجاوزوا الحد في الضلال، وعموا وصموا عمَّا يأتيهم من الآيات والمواعظ التي يجدد الرحمن إنزالها لهم من مكنون غيبه وقديم كلامه حسبما تقتضيه حكمته البالغة ورحمته الواسعة، وذلك ليردهم إلى الحق ويهديهم سواء السبيل، ولكنهم لا يقابلون ذلك إلا بالتّولي والإعراض، وفي ذلك ما فيه من الحماقة ورداءة التفكير وسوء التقدير، فرحمة الله ينبغي أن تقابل بالشكر والطاعة لا بالعصيان والإعراض.
6 - {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} :
أي: لم يقتصر أمر هؤلاء الذين لم يؤمنوا بك من قومك على الإعراض والانصراف عما يأتيهم من الذكر والموعظة، بل تجاوزوا ذلك إلى التكذيب الصريح فجعلوا القرآن الكريم تارة سحرًا، وأخرى أساطير الأولين، ومرة شعرا، وقد هددهم وأنذرهم عذابًا منكرًا ينزل بهم، وقارعة تحل بساحتهم ينتشر خبرها، ويذاع أمرها، فيجمع الله عليهم بين العذاب الأليم، وكشف أمرهم بين الناس حتى يتحدثوا بما نزل بهم من نكال وخزي جزاءً وفاقًا لاستهزائهم وسخريتهم، وقد رتب الله - سبحانه - نزول العذاب على استهزائهم في قوله: {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ ... } الآية، مما يؤذن ويدل على أن العذاب واقع لا محالة، فقد أصابتهم في بدر هزيمة منكرة قتل فيها وأسر صناديدهم، ويجوز أن يراد من الأنباء: أخبار انتشار الإِسلام وعلو شأن القرآن الذي كانوا به يستهزئون.
ومن أغراض هذا الوعيد أن يترفق النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه فلا يشق عليها ويعرضها للهلاك أسفا وحزنًا على قوم قد أوغلوا في الكفر، وختم الله على قلوبهم فلا تنفذ إليها الهداية ولا يرجى منهم خير.
7 - {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} :