ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها، وَما يَسْتَأْخِرُونَ أي ما تتقدم أمة مهلكة من تلك الأمم وقتها المقدّر لهلاكها أبدا، أو المؤقت لعذابها إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه. والمعنى أن وقت الهلاك محدد لا يتقدم ولا يتأخر، فلا تتعجلوا العذاب، فكل شيء عنده تعالى بمقدار، وهذا مرتبط بأجل الإنسان، كما قال تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل 16/ 61] .
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا أي ثم بعثنا رسلا آخرين في كل أمة، يتبع بعضهم بعضا، كقوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل 16/ 36] .
كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ أي كلما جاء الرسول أمة بتكليفهم بالشرائع والأحكام كذبه جمهورهم وأكثرهم، سالكين في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة، كقوله تعالى: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [يس 36/ 30] .
فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً أي بالهلاك، والمعنى: أتبعنا بعضهم بالهلاك إثر
بعض، حين كذبوا رسلهم، كقوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [الإسراء 17/ 17] .
وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي وجعلناهم أخبارا وأحاديث للناس، جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به، يتحدثون بها تلهيا وتعجبا، كقوله تعالى:
فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ 34/ 19] .
فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ أي هلاكا وتدميرا وبعدا عن رحمة الله لقوم لا يصدقون به ولا برسوله. وهذا وارد على سبيل الدعاء، والذم، والتوبيخ، والوعيد الشديد لكل كافر. وهو دليل على أنهم كما أهلكوا عاجلا، فهلاكهم بالتعذيب آجلا على التأبيد مترقب.
فقه الحياة أو الأحكام: