ثم يقول تعالى: {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [المؤمنون: 45] فعطف {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [المؤمنون: 45] على {بِآيَاتِنَا} [المؤمنون: 45] وهذا من عطف الصفة على الموصوف لمزيد اختصاص ؛ لأن الآيات هي السلطان ، فالسلطان: الحجة . والحجة على الموجود الأعلى آيات الكون ، والحجة على صِدْق الرسول المعجزات ، والحجة على الأحكام الآيات الحاملة لها .
وسَمَّى معجزة موسى عليه السلام (العصا) سلطاناً مبيناً أي: محيطاً ؛ لأنها معجزة متكررة رأينا لها عدة حالات: فهذه العصا الجافة مرة تنقلب إلى حيّة تلقَفُ الحيّات ، ومرة يضرب بها البحر فينفلق ، ومرة يضرب بها الحجر فيتفجر منه الماء ، وفوق ذلك قال عنها: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} [طه: 18] .
ومن معاني السلطان: القَهْر على عمل شيء أو الإقناع بالحجة لعمل هذا الشيء ، لذلك كانت حجة إبليس الوحيدة يوم القيامة أن يقول لأتباعه: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي . .} [إبراهيم: 22] يعني: كنتم رَهْن الإشارة ، إنما أنا لا سلطان لي عليكم ، لا سلطانَ قهر ، ولا سلطان حجة .
لذلك قال في النهاية: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ . .} [إبراهيم: 22] والإنسان يصرخ إذا فزَّعه أمر لا حيلة له به ، فيصرخ استنفاراً لمعين يُعينه ، فمَنْ أسرع إليه وأعانه يقال: أصرخه . يعني: أزال سبب صراخه .
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46)
{فِرْعَوْنَ . .} [المؤمنون: 46] لقب لكل مَنْ كان يحكم مصر ، مثل كِسْرى في الفرس ، وقيصر في الروم ، وتكلَّمنا عن معنى (الملأ) وهي من الامتلاء ، والمراد القوم الذين يملؤون العيون مهابةً ومنزلةً ، وهم أشراف القوم وصدور المجالس ، ومنه قولهم: فلان قَيْد النواظر يعني: مَنْ ينظر إليه لا ينصرف عنه إلى غيره .