إذن: في المسائل الاجتهادية ينبغي أن نحترم رأي الآخرين ؛ لذلك فالعلماء - رضي الله عنهم - وأصحاب الفكر المتزن يقولون: رأيي صواب يحتمل الخطأ ، ورأْي غيري خطأ يحتمل الصواب . فليت المسلمين يتخلصون من هذه الآفة التي فرَّقتهم ، وأضعفتْ شوكتهم بين الأمم . ليتهم يذكرون دائماً قول الله تعالى: {إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ . .} [الأنعام: 159] .
ولما تكلم الحق - تبارك وتعالى - عن مسألة الوضوء ، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين . .} [المائدة: 6] .
نلحظ أنه تعالى عند الوجه قال {فاغسلوا وُجُوهَكُمْ . .} [المائدة: 6] دون أن يحدد للوجه حدوداً ، لماذا؟ لأن الوجه لا خلافَ عليه بين الناس ، لكن في الأيدي قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق . .} [المائدة: 6] فحدد اليد إلى المرفق ؛ لأنها محل خلاف ، فمن الناس مَنْ يقول: الأيدي إلى الكتف . ومنهم مَنْ يقول: إلى المرفق . ومنهم مَنْ يقول: هي كف اليد .
لذلك حدَّدها ربنا - عز وجل - ليُخرِجنا من دائرة الخلاف في غَسْل هذا العضو ، ولو تركها - سبحانه وتعالى - دون هذا التحديد لكانَ الأمر فيها مباحاً: يغسل كل واحد يده كما يرى ، كذلك في الرأس قال سبحانه: {وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ . .} [المائدة: 6] وتركها لاحتمالات الباء التي يراها البعض للإلصاق ، أو للتعدية ، أو للتبعيض .
إذن: حين ترى مخالفاً لك في مثل هذه الأمور لا تتهمه ؛ لأن النص أجاز له هذا الاختلاف ، وأعطاه كما أعطاك حقَّ الاجتهاد .
ثم قال الحق سبحانه: {َوَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحياة الدنيا . .}