18 -قوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} . (الصم) : جمع الأصم، وهو الذي به صمم، وهو انسداد الأذن، ويقال: رمح أصم: إذا لم يكن
أجوف، وصخرة صماء: إذا كانت صلبة، والصمام ما يسد به رأس القارورة، هذا أصله في اللغة. ولما كان الإنسداد يؤدي إلى الشدة والصلابة قيل للصخرة الشديدة: صماء. وارتفع (صم) على الاستئناف، كأنه لما تم الكلام الأول استأنف فقال: صم، أي: هم صم.
وقال أبو إسحاق: كأنه قال: هؤلاء الذين قصتهم ما مضى (صم) . ويجوز الاستئناف قبل تمام القصة، كقوله تعالى: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابً} [النبأ: 36] ، ثم قال: {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وقال أيضا {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [التوبة: 112] ثم قال: {التَّائِبُونَ} [التوبة:113] .
وقال النابغة:
تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فَعَرَفْتُها ... لستَّةِ أعوامٍ وَذَا العَامُ سَابِع
ثم قال: (رماد) فاستأنف، ولم يبدل.
قال أهل المعاني: وإنما وصفهم الله تعالى بالصم لتركهم قبول ما يسمعون، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل على ما يسمعه: أصم. قال الشاعر:
أَصَمُّ عَمَّا سَاءَهُ سَمِيعُ
و (بكم) عن الخير، فلا يقولونه، و (عمي) ، لأنهم في تركهم ما يبصرون من الهداية بمنزلة العمى.
وقوله تعالى: {لَا يَرْجِعُونَ} أي إلى الإسلام، أو عن الجهل والعمى. قال محمد بن جرير: هذه الآية معناها التقديم والتأخير، والتقدير (وما كانوا مهتدين صم بكم ...) الآية، {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي} [البقرة: 17] ، {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] ، مثل آخر عطف على الأول.
قال: لأن قوله {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] في الآخرة، إذا قلنا: إنه وصف المنافقين، والخبر بأنهم صم بكم في الدنيا، فلهذا قلنا: إن هذا على التقَديم والتأخير. وقال غيره: يجوز أن يعترض ذكر حالهم في الدنيا بعد وصف حالهم في الآخرة. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 2/ 195 - 198} .