قوله: {هُدًى} أي رشاد وبيان، وهو مصدر إما بمعنى اسم الفاعل وهو الذي اقتصر عليه المفسر أي مرشد ومبين، والإسناد له مجاز عقلي من الإسناد للسبب أو ذو هدى أو بولغ فيه حتى جعل نفس الهدى على حد: زيد عدل.
قوله: {لِّلْمُتَّقِينَ}
إن قلت إن القرآن هدى بمعنى مبين طريق الحق من الباطل للناس مؤمنهم وكافرهم فلم خص المتقين؟
أجيب بأنه خصهم بالذكر لكونهم انتفعوا بثمرته عاجلاً وآجلاً وهذا إن أريد به البيان حصل وصول للمقصود أم لا؟ وأما إن إريد به الوصول للمقصود فالتخصيص ظاهر، وأصل متقين متقيين استثقلت الكسرة على الياء الأولى فحذفت الياء فالتقى ساكنان حذفت الياء لالتقاء الساكنين.
قوله: (الصائرين إلى التقوى) أشار بذلك إلى أن في الكلام مجاز الأول أي المتقين في علم الله أومن يؤول إلى كونهم متقين، فهو جواب عن سؤال مقدر حاصله أنهم إذا كانوا متقين فهم مهتدون فلا حاجة له.
قوله: (بامتثال الأوامر) يصح أن تكون سببية أو التصوير.
وقوله: (واجتناب النواهي) عطف عليه، والمعنى أن امتثال الأوامر على حسب الطاقة واجتناب النواهي جميعها سبب للتقوى أو هي مصورة بذلك.
قوله: (لاتقائهم) علة لتسميتهم متقين.
وقوله: (بذلك) أي المذكور وهو امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وهذا إشارة إلى تقوى الخواص وتحتها تقوى العوام وهي تقوى الشرك وفوقها تقوى خواص الخواص وهي تقوى ما يشغل عن الله. قال العارف:
ولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري يوماً حكمت بردتي
والآية في حد ذاتها شاملة للمراتب الثلاث.
{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}
قوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} هذا تفصيل لبعض صفات المتقين وخصها لأنها أعلى الأوصاف، وهو في محل جر صفة للمتقين، أو رفع خبر لمحذوف، أو نصب مفعول لمحذوف، ويصح أن يكون مستأنفاً مبتدأ خبر قوله {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى} ، وعلى هذا فالوقف على المتقين تام لعدم ارتباطه بما بعده، وعلى الإعراب الأول فهو حسن لأنه رأس آية وإن كان له ارتباط بما بعده.