أن يقال: لا نسلم حصول الهدى الحقيقي ، لأن المراد بإثبات الهدى تمكينهم عليه ،
بسبب إزاحة العلل من بعثة الرسول ، وبيان الحق.
وعن قوله:"فجعل الهدى فِي مقابلة الضلال ممتنع"أن لو كان ممتنعا لم يقع
في الآيتين ، ولأن المراد بالمقابلة فِي الصناعة: الجمع بين اللفظين الدالين على
المعنيين المتضادين حقيقة ، أو تقديرا ، سواء كانا متعديين ، أم لازمين ، أم أحدهما
متعديا والآخر لازما ، وهذا المعنى موجود فِي الآيتين ، لا سيما فِي الأولى ، فإنه
صريح فيها لتوسيط كلمة التقابل.
وعن قوله:"إن المنتفع بالهدى يسمى مهديا ، بخلاف غيره تنزيلا له منزلة"
العدم"أن هذا مجاز ، والمهدي من الأوصاف التي تستعمل فِي المدح مطلقا ،"
وذلك علامة الحقيقة.
وعن قوله:"أمرته فائتمر"ما قاله البزدوي فِي أصوله أن قضية الأمر لغة أن
لا يثبت إلا بالامتثال ، لأن أمر فعل متعد ، لازمه ائتمر ، ولاوجود للمتعدي إلا أن
يثبت لازمه ، كالكسر لا يتحقق إلا بالانكسار ، إلا أن ذلك لو ثبت بالأمر نفسه
لسقط الاختيار من المأمور أصلا ، وللمأمور ضرب عندنا من الاختيار.
ومعنى هذا الكلام أن أصحاب اللغة ما أثبتوا لكل فعل متعد لازما إلا إذا اتفقا
في الوجود.
وقال ابن الحاجب: معنى المطاوعة حصول فعل عن فعل ، فالثاني مطاوِع ،
لأنه طاوع الأول ، والأول مطاوَع ، لأنه طاوعه الثاني ، فإذا وجد المطاوَعُ وجب أن
لا يتخلف عنه المطاوِعُ.
فإذن معنى أمرته فائتمر جعلته مؤتمرا فائتمر ، لكن منع الائتمار معنى سقوط
الاختيار ، ولزوم الجبر ، فعرض له عارض ، فوجب العدول عن الحقيقة . هذا
كلام الطيبي.
ثم قال: والواجب تحرير معنى الهدى ، أهو حقيقة فِي الدلالة المطلقة ، مجاز
في الدلالة المخصوصة ، أم عكسه ، أم مشترك بينهما ، أم موضوع للقدر المشترك
، وهو البيان ، فكلام الإمام يميل إلى الأول ، وصاحب"الكشاف"إلى