والمنقضي فِي حكم المتباعد ، وهذا فِي كل كلام ، يحدث الرجل بحديث ، ثم
يقول: ذلك مما لاشك فيه ، ويحسب الحاسب ، ثم يقول: فذلك كذا وكذا ، قال
الله تعالى (لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) وقال (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) ولأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل
إليه وقع فِي حد البعد ، كما تقول لصاحبك - وقد أعطيته شيئا -: احتفظ بذلك ،
وقيل: معناه ذلك الكتاب الذي وعدوا به"."
قال الطيبي: وأحسن ما قيل فِي توجيه الإشارة إليه بصيغة البعد = ما ذكره
صاحب"المفتاح"قال: (ذلك الكتاب) ذهابا إلى بعده درجة.
وقال الإمام: إن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة ، وعلوم كثيرة يتعسر
اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها ، فهو - وإن كان حاضرا نظرا إلى صورته - غائب
نظرا إلى أسراره وحقائقه ، فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب.
قوله: (وتذكيره متى أريد بـ(الم) السورة ، لتذكير (الكتاب) فإنه خبره)
جواب سؤال مقدر ، تقديره كما أفصح به فِي"الكشاف":"لم ذَكَّرَ اسم"
الإشارة ، والمشار إليه مؤنث ، وهو السورة"؟"
وحاصل الجواب تخريجه على القاعدة المعروفة إذا توسط الضمير ، أو الإشارة
بين مبتدإ وخبر ، أحدهما مذكر ، والآخر مؤنث جاز فِي الضمير ، والإشارة التذكير
والتأنيث مراعاة لهذا ولهذا.
وفي هذا تسليم السؤال ، والإمام منعه من أصله ، فقال: لا نسلم أن المشار
إليه مؤنث ، لأن المؤنث إما المسمى ، أو الاسم ، والأول باطل ، لأن المسمى هو ذلك
البعض من القرآن ، وهو ليس بمؤنث ، وأما الاسم فهو (الم) وليس بمؤنث.
نعم ذلك المسمى له اسم آخر ، وهو السورة ، وهو مؤنث ، وليست الإشارة إليه ،
بل إلى الاسم الآخر ، وهو (الم) الذي ليس بمؤنث.
وقال الشيخ أكمل الدين: قوله:"إن المشار إليه مؤنث"فيه نظر ، لأن المشار