ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة ، وانقلاب الأمر . ألا ترى إلى قول الخليل عليه الصلاة والسلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} ؟ وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول: ( يا مقلب القلوب ! ثبت قلبي على دينك ) .
وقال الزجاج: المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها ، وتصديق ذلك قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} ، يعني أنه تعالى يعلم ما يكون ، من قبل أن يكون ، وما سيكون ، وأنه تعالى كان عالماً في الأزل بجميع الأشياء ، فالسعيد من سعد في علم الله تعالى ، والشقي من شقي في علم الله تعالى .
وقال الناصر في"الانتصاف": موقع قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} الإعتراف بالقصور عن علم العاقبة ، والإطلاع على الأمور الغائبة ، فإن العود إلى الكفر جائز في قدرة الله أن يقع من العبد ، ولو وقع فبقدرة الله ومشيئته المغيبة عن خلقه ، فالحذر قائم ، والخوف لازم .
ونظيره قول إبراهيم عليه السلام: {وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} لما رد الأمر إلى المشيئة ، وهي مغيبة ، مجد الله تعالى بالإنفراد بعلم الغائبات - والله أعلم - .
وقال أبو السعود: معنى: {وما يَكُونُ لَنا} الآية ، أي: ما يصح لنا أن نعود فيها حال من الأحوال ، أو في وقت من الأوقات ، إلا أن يشاء الله ، أي: إلا حال