فهرس الكتاب

الصفحة 820 من 1777

فانطلق إليه وخلا به وأعلمه شأنه، وشرح له قصّته فقال له أبو حنيفة: لا تعلم بهذا أحدا، وامض راشدا، وعد إليّ غدا. فلمّا أمسى أبو حنيفة جلس كعادته للنّاس، وجعل كلّما سئل عن شيء تنفّس الصعداء. فقيل له في ذلك فقال: إنّ هؤلاء يعني السّلطان قد احتاجوا إلى رجل يبعثونه قاضيا إلى مكان. وقالوا:

لي: اختر من أحببت. ثم أسبل كمّه وخلا بصاحب الوديعة، وقال له: أترغب حتى أسمّيك. فذهب يتمنّع تحلية. فقال له أبو حنيفة: اسكت فإني أبلغ لك ما تحبّ. فانصرف الرّجل مسرورا يظنّ الظّنون بالجاه العريض، والحال الحسنة.

وصار ربّ المال إلى أبي حنيفة فقال: امض إلى صاحبك ولا تخبره بما بيننا، ولوّح بذكري وكفاك، فمضى الرّجل واقتضاه وقال له: اردد علي مالي وإلا شكوتك إلى أبي حنيفة. فلما سمع ذلك وفّاه المال. وصار الرّجل إلى أبي حنيفة وأعلمه رجوع المال إليه فقال له: استره عليه.

ولما غدا الرجل إلى أبي حنيفة طامعا في القضاء نظر إليه أبو حنيفة وقال له:

نظرت في أمرك فرفعت قدرك عن القضاء.

قال أبو يوسف: بقيت على باب الرّشيد حولا لا أصل إليه، حتى حدثت مسألة. وذلك أنّ بعض أهله كانت له جارية، فحلف أنّه لا يبيعها إياه ولا يهبها له.

وأراد الرّشيد شراءها، فلم يجد أحدا يفتيه في ذلك. فقلت لابن الربيع: أعلم أمير المؤمنين أنّ بالباب رجلا من الفقهاء عنده الشّفاء من هذه الحادثة. فدخل فأخبره، فأذن لي، فلما وصلت مثلت، فقال: ما تقول؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أقوله لك وحدك أو بحضرة الفقهاء؟ قال: بل بحضرة الفقهاء، ليكون الشّك أبعد، وأمر فحضر الفقهاء، وأعيد عليهم السؤال. فكلّ قال: لا حيلة عندنا فيه، فأقبل أبو يوسف فقال: المخرج منها أن يهب لك نصفها، ويبيعك نصفها، فإنه لا يقع الحنث. فقال القوم: صدق. فعظم أمري عند الرّشيد، وعلم أنّي أتيت بما عجزوا عنه.

كان المغيرة بن شعبة من كبار المدمنين للشّراب، فقال لصاحب له يوم خيبر: قد قرمت إلى الشراب. ومعي درهمان زائفان فأعطني زكرتين [1] . فأعطاه.

(1) الزكرة: وعاء للخمر والخل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت