بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد، فقد تميّز العصر العباسي الممتد ما بين سنة 132هـ، وسنة 656هـ، على مستوى أحوال اللغة العربية وآدابها، بعدة أمور نلخصها بما يلي:
لمّا قامت الدولة العباسية بدعوتها، وأسّست دولة قوية، كان للموالي فيها النفوذ المؤثّر والقوي، فقد استخدمهم الخلفاء والأمراء في كل شيء، من سقاية الماء إلى قيادة الجيوش والوزارة، واختلط العرب بالأعاجم، وكان من المجموع شعب ممتزج لغة وعادة وخلقا، فأثّر ذلك في اللغة لفظا ومعنى، وشعرا ونثرا كتابة وتأليفا. ويمكن إرجاع جميع هذه التغيرات إلى ثلاثة مستويات:
الأول: ما يتعلق بالأغراض التي تؤديها اللغة.
الثاني: ما يتعلق بالمعاني والأفكار.
الثالث: ما يتعلق بالألفاظ والأساليب.
أولا: أغراض اللغة
لمّا قامت الدولة العباسية وتشبّه الخلفاء بملوك الفرس في أكثر أمور السياسة والمعيشة، وحاكتهم العامة في ذلك بتقليد أمثالهم من طبقات الأعاجم. تناولت اللغة في المشرق أغراضّا لم تعهد فيها من قبل، بنقل علوم تلك الأمم وآدابها وعاداتها وطرق معيشتها. فكان من تلك الأغراض ما يلي:
1 -تدوين العلوم الشرعية واللسانية، ولم يدوّن في صدر الإسلام إلا نزر يسير، وكذا الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية.
2 -تأدية مقاصد الصناعات المختلفة، وخصوصا بعد دخول العرب في غمار الصناع.
3 -المحاضرة والمناظرة والبحث والجدل وتدريس العلوم.