ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا والله نكير سيفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره في ذات الله، وتالله لو تكافّوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلّى الله عليه لا عتقله، ولسار بهم سجحا لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم
منهلا رويّا فضفاضا، تطفح ضفّتاه، ولأصدرهم بطانا، وقد تحيّز بهم الرّي، غير مستحلّ منه بطائل، إلّا بغمر الناهل، أو دعة سورة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.
ألا هلمّ فاستمع، وما عشت أراك الدهر عجبا، وإن تعجب فعجب لحادث إلى أي ملجأ لجؤوا واستندوا، وبأيّ عروة تمسّكوا، {لَبِئْسَ الْمَوْلى ََ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ}
[الحج: 13] .
استبدلوا والله الذّنابى بالقوادم، والعجز بالكاهل، فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا {أَلََا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلََكِنْ لََا يَشْعُرُونَ} (12) [البقرة: 12] ويحهم {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لََا يَهِدِّي إِلََّا أَنْ يُهْدى ََ فَمََا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس: 35] .
أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظرة ريث ما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب [1]
دما عبيطا، وذعافا ممقرا [2] ، فهنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غبّ ما أسّس الأولون، ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسنا، وطامنوا [3] للفتنة جأشا، وأبشروا بسيف صارم، وبهرج شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيدا، وجمعكم حصيدا فيا حسرة بكم، وقد عمّيت عليكم {أَنُلْزِمُكُمُوهََا وَأَنْتُمْ لَهََا كََارِهُونَ} [هود:
روي أنه لما كان يوم الجمل قامت عائشة فتكلمت فقالت:
أيها الناس، إنّ لي عليكم حقّ الأمومة وحقّ الموعظة، لا يتّهمني إلا من
(1) القعب: القدح الضخم، وطلاعه: ملؤه.
(2) الممقر: المسموم والمرّ.
(3) طامنوا: خفضوا.
(4) هي عائشة بنت أبي بكر الصدّيق، زوجة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كنيتها أم عبد الله، ماتت سنة 57هـ في ولاية معاوية بن أبي سفيان، وكانت بنت 18سنة حين قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. (انظر: الإصابة 8/ 140، أسد الغابة 5/ 583، الاستيعاب 2/ 770، كتاب الثقات 3/ 323، الطبقات الكبرى 8/ 46) .