وقال له: يا أبا عبد الله، الخليفة لا يصلحه إلّا التقوى، والسلطان لا يقيمه إلّا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس مروءة وعقلا من ظلم من هو دونه.
وقال له الربيع: إن لفلان حقّا فإن رأيت أن تقضيه فتولّيه ناحية. فقال:
يا ربيع إنّ لاتّصاله بنا حقّا في أموالنا، لا في أعراض المسلمين وأموالهم. إنّا لا نولّي للحرمة والرعاية، بل للاستحقاق والكفاية، ولا نؤثر ذا النسب والقرابة على ذي الدّراية والكتابة فمن كان منكم كما وصفنا شاركناه في أعمالنا، ومن كان عطلا لم يكن لنا عذر عند الناس في توليتنا إياه، وكان العذر في تركنا له وفي خاصّ أموالنا ما يسعه.
وكان يقول: لو عرف إبليس أنّ أحدا بعد النبيّ صلى الله عليه وسلّم أفضل من علي بن أبي طالب لأغرى الناس بنقضه وحطّه عن منزلته.
وخطب يوم جمعة، فكان مما حفظ من كلامه: {وَلَقَدْ كَتَبْنََا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ الصََّالِحُونَ} (105) [الأنبياء: الآية 105] أمر مبرم وقضاء فصل، والحمد لله الذي أفلج حجّته، وبعدا للقوم الظالمين الذين اتّخذوا الكعبة غرضا، والفيء إرثا وجعلوا القرآن عضين، لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، وكأيّن ترى من بئر معطلة وقصر مشيد. أمهلهم الله حين نبذوا القرآن والسنة، واضطهدوا العترة، واستكبروا وعندوا، وخاب كلّ جبار عنيد، ثم أخذهم ف {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم:
الآية 98].
وكتب إليه زياد بن عبيد الله يسأله الزيادة في أرزاقه، ويبالغ في الكتاب.
فوقع المنصور في كتابه: إنّ الغنى والبلاغة إذا اجتمعا في رجل أبطراه، وأمير المؤمنين مشفق عليك، فاكتف بالبلاغة.
حكي أن رجلا أتى باب المهديّ، ومعه نعلان، فقال: هما نعلا رسول
(1) المهدي العباسي: هو محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، أبو عبد الله المهدي، ولقب بالمهدي رجاء أن يكون الموعود به في الأحاديث فلم