لمّا قصد المعتضد الأعراب فصار في وسط بيوتهم، وهو في عدد يسير حتى لحقه بدر قيل له: لو عرفك الأعراب فأقدموا عليك كيف كانت تكون حالك، وحال الناس؟ فقال: لو عرفوني لتفرّقوا، أما علمتم أنّ الرصافية وحدها عشرون ألفا.
قال بعضهم: أنشد المعتضد: [الطويل]
وما الأدب الموروث لا درّ درّه ... إذا لم تؤيده باخر مكتسب
فكان بعد ذلك إذا رأى هاشميّا لا أدب له ينشد البيت، ويقول: الآداب خير من الأنساب، والأعمال خير من الأموال.
ولمّا أخرج راعيا إلى الثّغر قال: يا سيدي: أنا أرغب الناس في خدمتك على بابك. فقال: أنا فيك ضدّ اسمك.
وقال مرة: عجائب الدنيا ثلاث: اثنان لا يريان، وواحدة ترى، فأما اللتان لا تريان فعنقاء مغرب، والكبريت الأحمر، وأما التي ترى فابن الجصاص.
حدّث بعض الكتّاب قال: حضرت يوما دار الموفّق فرأيته، وبين يديه أبو العباس ابنه المعتضد بالله، وهو يقول: قد فرقت الرجال من المستأمنة وغيرهم على راشد، ووصيف، وراغب، ويأنس، وتركتني لم تضمم إليّ منهم أحدا.
فقال له الموفّق: إنّ من معك من الرجال فيه كفاية لك، ولست تحتاج إلى أكثر منهم. فقال له: كأنّك استكثرت لي من معي. والله ما ولد العباس بن عبد المطلب مثلي، ولا يولد له أيضا. فقال له أبوه: صدقت. إنك كذلك، ولهذه العلة لم أزدك على ما معك من الرّجال.
نظر إلى رأس صاحب الزنج، وقد أخرج إليه من الخزانة فقال: لعنه الله! فإنه عدا على الأنساب، كما عدا على الأسلاب.
المقتدر [2]
حكي أنّ علي بن عيسى الوزير كتب عنه كتابا إلى ملك الروم فلما
(1) المكتفي بالله العباسي: هو أبو محمد علي بن المعتضد ابن الأمير أبي الموفق بن المتوكل على الله، ولد سنة 263هـ، وتولى الخلافة سنة 289هـ، وتوفي سنة 295هـ (البداية والنهاية 11/ 112111) .
(2) المقتدر بالله العباسي: هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله، ولد سنة 282هـ، بويع له بالخلافة سنة 295هـ بعد موت أخيه، وعمره إذ ذاك 13سنة، خلعه الناس وبايعوا المعتز، ثم خلع المعتز وأعيد هو ثانية، كثرت الفتن في أيامه، قتله مؤنس الخادم سنة 320 (البداية والنهاية 11/ 183182) .