وأوّل كاتب منهم ارتقى إلى مرتبة الوزارة هو أبو سلمة الخلال، وأشهر من بلغ نفوذه وسلطانه مبلغا زاحم فيه الخليفة يحيى بن خالد بن برمك وابناه جعفر والفضل،
ثم محمد بن الزيات في زمن المعتصم والواثق. ومن أشهر كتّاب هذا العصر في الشرق: ابن المقفع، ويحيى بن خالد بن برمك، وابناه جعفر والفضل، وإسماعيل بن صبيح، وعمرو بن مسعدة، وأحمد بن يوسف، وابن الزيات، والحسن بن وهب، وعلي بن الفرات، وابن مقلة، وابن العميد، والصاحب بن عباد، وأبو بكر الخوارزمي، وبديع الزمان الهمذاني، وأبو سعد منصور بن الحسين الآبي، والصابي، وإبراهيم الصولي، والعماد الكاتب، والقاضي الفاضل.
عاش الآبي في القرن الرابع الهجري زمن بني بويه وهم جماعة من الفرس حكموا العراق وجنوبي فارس زهاء قرن ونيّف، وفي عهدهم ساد المذهب الشيعي وتوغّل في شرق الامبراطورية العباسية وغربها، وهذا مما أدّى إلى انقسام الامبراطورية العباسية ما بين السنة الذين كان يساندهم الأتراك وبين الشيعة الذين كان يساندهم البويهيون.
وبالرغم من تشيّع البويهيين، ومن سيطرة العنصر الفارسي فإن هذين العاملين لم يحولا دون انتعاش الفكر العربي، فقد كان الكثير من البويهيين ووزرائهم على جانب من الثقافة حتى أصبح أساس الاختيار للوزراء عندهم شيئان: القدرة الإدارية والقدرة البلاغية. وعرف هذا العهد وزراء احتلوا مكانة مرموقة في تاريخ الأدب والبيان العربيين، منهم: أبو الفضل بن العميد، وولده أبو الفتح والصاحب بن عباد الذي جعل داره ملتقى لجماعات الكتاب والمنشئين والمتكلمين والفلاسفة والقراء، وأبو سعد الآبي.
وكان اهتمام الوزراء بالجانب العلمي والأدبي أدّى إلى نبوغ كثيرين من العلماء والفلاسفة والفقهاء والمحدثين والمفسرين والمتصوّفة، فعمّ النشاط العلمي مدنا في العراق وفارس كبغداد والبصرة والكوفة والري وأصفهان وشيراز وسيراف.
بنو بويه:
ابتدأ الدور الثاني للخلافة العباسية في أيام المستكفي بالله الذي تولى الخلافة، أو أسند إليه منصب الخلافة أسنده إليه القائد «توزون الديلمي» بعد أن غدر بالخليفة المتقي لله.
وفي تلك الفترة لم يبق للخليفة العباسي في بغداد إلا اسمه، أي أنه أصبح رمزا للسلطة الدينية فحسب يدعى باسمه على المنابر، وليس له شيء من الأمر أو النهي، بل لم يبق له وزير يدبّر شؤون الدولة باسمه، وإنما كل ما كان له كاتب يدير شؤونه المالية
ويحصي نفقاته ودخل إقطاعاته لا غير، أما ما عدا ذلك من شؤون الحرب والسياسة وتدبير أمر الرعية، فلم يكن لبني العباس منها قليل أو كثير.