لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيبا فقال:
الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله وسلم. خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة. وما أولهى إلى أسلافي! اشتياقي كاشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه. كأنّي بأوصالي تتقطعها عسلان [2] الفلوات بين النّواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشا جوفا وأجربة سغبا. لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت. نصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصّابرين، لن تشذّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمته هي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز لهم وعده.
من كان باذلا فينا مهجته، وموطّنا على لقائنا نفسه فليرحل، فإني راحل مصبحا إن شاء الله.
وخطب عليه السلام فقال:
أيها الناس. نافسوا في المكارم، وسارعوا في المغانم، ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوه، واكتسبوا الحمد بالنّجح، ولا تكتسبوا بالمطل ذمّا، فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأى أنّه لا يقوم بشكرها فالله له بمكافأته، فإنّه أجزل عطاء، وأعظم أجرا، واعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملّوا النّعم، فتحور نقما، واعلموا أن المعروف يكسب حمدا ويكسب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا يسرّ الناظرين، ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رجلا رأيتموه سمجا مشوّها تنفر منه القلوب، وتغضّ دونه الأبصار. أيها الناس. من جاد ساد، ومن بخل رذل. وإن أجود الناس من
(1) هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو عبد الله، ولد في المدينة سنة 4هـ، السبط الشهيد، ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعاه الناس للخلافة وقاتل الأمويين حتى استشهد بكربلاء سنة 61هـ (انظر: كتاب الثقات لابن حبان 3/ 68، الأعلام 2/ 243، تهذيب ابن عساكر 4/ 311، الكامل في التاريخ 4/ 19. تاريخ الطبري 6/ 215، تاريخ الخميس 2/ 297، صفة الصفوة 1/ 321) .
(2) عسلان الفلوات: ذئابها.