لما استخلف سليمان بن عبد الملك دفع عمّال أخيه الوليد إلى يزيد بن المهلّب وأمره ببسط العذاب عليهم، واستخراج المال منهم، وكان فيهم رجل من
بني مرّة فقال ليزيد: أمّا أنا فلست بذي مال، ولا تنتفع بتعذيبي ولكن عشيرتي تفكّني بأموالهم، فأذن لي في أن أجول فيهم، فأذن له فقال لهم: إنّ أمير المؤمنين قد أخذني بمال، والمال عندي، ولكن أكره أن أقرّ بالخيانة، فاضمنوا له هذا المال عنّي وأطلقوني من حبسه، ولا غرم عليكم فإني مضطلع بأداء هذا المال.
فنهض وجوه عشيرته في أمره، وضمنوا المال عنه وأطلقوه، فلمّا أخذوا بالمال قالوا للرّجل: أدّ المال كما زعمت. فقال: يا نوكى [1] أتظنّون أنّني اختنت مالا تعرّضت فيه للمأثم، وسخط الخليفة وعقوبته، وأؤديه اليوم طائعا، وقد صيّرت ما أطالب به في أعناقكم، لبئس ما ظننتم اغرموه من أعطياتكم وأنا فيه كأحدكم. ففعلوا ذلك وهو كأحدهم.
مرّ شبيب الخارجي على غلام في الفرات مستنقع في الماء فقال له شبيب:
اخرج إليّ أسائلك. فقال: فأنا آمن حتّى ألبس ثيابي؟ قال: نعم. قال: فو الله لا ألبسها.
خرج المغيرة بن شعبة مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم في بعض غزواته، وكانت له عنزة [2]
يتوكأ عليها فربّما أثقلته، فيرمي بها على قارعة الطّريق فيمرّ بها المارّ فيأخذها. فإذا صاروا إلى المنزل عرّفها فأخذوا المغيرة. ففطن له عليّ عليه السلام فقال:
لأخبرنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم. فقال: لئن أخبرته لا تردّ ضالّة بعدها. فأمسك.
كان عبد الله بن عمرو بن غيلان على البصرة من قبل معاوية، فخطب يوما على منبرها، فحصبه رجل من بني ضبّة، فأمر به فقطعت يده فأتته بنو ضبّة فقالوا:
إنّ صاحبنا جنى على نفسه ما جنى، وقد بلغ الأمير في عقوبته. ونحن لا نأمن أن يبلغ خبره أمير المؤمنين فتأتي من قبله عقوبة تعمّ أو تخصّ. فإن رأى الأمير أن يكتب كتابا يخرج به أحدنا إلى أمير المؤمنين، يخبره أنّه قطعه على شبهة وأمر لم يصح. فكتب لهم بذلك إلى معاوية فأمسكوا الكتاب حتّى توجّه إلى معاوية ووافاه
(1) النوكى: جمع أنوك، وهو الأحمق.
(2) العنزة: عصا بين الرمح والرمح فيه زجّ.