بقولهم، والله إنه لصادق وإنّهم لكاذبون. قال أبو ذرّ، فقلت: اكفني حتى أنظر. قال: نعم، وكن من أهل مكة على حذر، فإنّهم قد شنفوا [1] له وتجهّموا.
فانطلقت فتضعّفت رجلا من أهل مكة، فقلت: أين هذا الرجل الذي تدعونه الصّابىء؟ قال: فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم وحجر، فخررت مغشيّا عليّ، فارتفعت حين ارتفعت كأنّي نصب أحمر. فأتيت زمزم فغسلت عني الدم، وشربت من مائها، ثم دخلت بين الكعبة وأستارها، فلبثت بها ثلاثين من يوم وليلة، ومالي بها طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسّرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع.
قال: فبينما أهل مكّة في ليلة قمراء إضحيان [2] ، قد ضرب الله على أصمختهم، فما يطوف بالبيت غير امرأتين، فأتيا عليّ، وهما يدعوان إسافا ونائلة فقلت: أنكحوا أحدهما الأخرى. قال: فما ثناهما ذلك، فقلت: وذكر كلاما فاحشا لم يكن عنه، فانطلقتا وهما تولولان وتقولان: لو كان ههنا أحد من أنفارنا. فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأبو بكر بالليل وهما هابطان من الجبل. فقال لهما: ما لكما؟ قالتا: الصابىء بين الكعبة وأستارها. قال: فما قال لكما؟ قالتا: كلمة تملأ الفم. ثم ذكر أنّه خرج إليه، وسلّم عليه، وأنّه أوّل من حيّاه بتحيّة الإسلام، قال: وذهبت لأقبّل بين عينيه فقدعني [3] صاحبه.
ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: كان أفضل من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع، وما رأيت مخاطبا له قط إلا رحمته كائنا من كان.
(1) شنفوا له: أبغضوه وتنكّروه، والشّنف: النظر إلى الشيء كالمعترض عليه، أو كالمتعجب منه، أو كالكاره له.
(2) ليلة إضحيان: أي مضيئة كالقمر.
(3) قدعني: دفعني.
(4) المغيرة بن شعبة يكنى أبا عبد الله، شهد بيعة الرضوان واليمامة وفتوح الشام واليرموك والقادسية، وولاه عمر بن الخطاب البصرة، توفي في الكوفة سنة 50هـ، وعمه هو عروة بن مسعود الثقفي. (انظر البداية والنهاية 5/ 360) .