مرّ رجل بامرأة من غاضرة، وإذا ابن لها مسجّى بين يديها، وهي تقول:
يرحمك الله يا بني. فو الله ما كان مالك لبطنك، ولا أمرك لعرسك، ولا كنت إلا ليّن العطفة، يرضيك أقلّ مما يسخطك. قال: فقلت لها: يا أمّه، ألك منه خلف؟
قالت: بلى ما هو خير منه: ثواب الله والصبر على المصيبة.
ولما قتل الفضل بن سهل دخل المأمون إلى أمّه يعزّيها فيه، وقال: يا أمه لا تحزني على الفضل فإني خلف لك منه. فقالت له: وكيف لا أحزن على ولد عوّضني خلفا مثلك، فتعجب المأمون من جوابها. وكان يقول: ما سمعت جوابا قطّ كان أحسن منه ولا أخلب للقلب.
حكي أن عجوزا من الأعراب جلست في طريق مكّة إلى فتيان من قريش يشربون نبيذا لهم، فسقوها قدحا فطابت نفسها وتبسّمت ثم سقوها قدحا آخر، فاحمرّ وجهها وضحكت فسقوها قدحا ثالثا، فقالت: أخبروني عن نسائكم بالعراق، أيشربن من هذا الشراب؟ قالوا: نعم. قالت: زنين وربّ الكعبة.
سئلت أعرابية فقيل لها: أتعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله أما أعرف أشياخا وقوفا عليّ كل ليلة؟
قيل لامرأة أصيبت بولدها: كيف أنت والجزع؟. قالت: لو رأيت فيه دركا ما اخترت عليه، ولو دام لي لدمت له.
مرّ أعرابي بجارية جابّة [1] تمدر [2] حوضا لها، فقال: من دلّ على بعير بعنقه علاط وبأنفه خزام، تتبعه بكرتان سمراوان؟. فقال القوم: حفظ الله علينا وأمسك عليك. والله ما أحسسنا لها خبرا فقالت الجارية: لا حفظ الله عليك يا عدوّ الله. فقيل لها: ما ذاك؟ قالت: إنه ينشد سوءته.
قال بعضهم: شهدت أمرأة بالبادية، وبين يديها ابن لها يجود بنفسه فوثبت إليه فأغمضته وعصبته وترحمت عليه، ثم تنحّت. فقالت: ما حقّ من ألبس
(1) الجابّة: الجميلة التي غلبت غيرها حسنا.
(2) تمدر حوضا: أي تسد خصاص حجارته بالمدر، وهو الطين.