قال بعضهم: رأيت سائلا ببغداد في الزيّاتين وهم أنصب من في الأرض يسأل، ويقول: تصدّقوا عليّ حبّا وكرامة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وليس يلتفت إليه أحد، ولا يعطيه شيئا. فدفعت إليه درهما، وقلت في نفسي: إن هذا المسكين لا يعرف هؤلاء وبغضهم لعليّ عليه السلام فأخذ الدرهم منّي، وقال: يا صاحب الصّدقة، إن كنت تصدّقت بها عليّ وفي قلبك بغض لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وفلان، وفلان ومعاوية خال المؤمنين رديف المصطفى، وكاتب الوحي فقطع الله يديك ورجليك وأعمى عينيك.
قال: فأخذته الدراهم من كل جانب، وبقيت أنا متحيّرا، ثمّ مضى فلحظته.
فعلم ما في قلبي، فقال: يا فتى على رسلك! عندك أنّ هؤلاء القراننة [1] لا يصدّقون عليّ إلّا بمثل هذه الحيلة.
جاء سائل إلى قوم فسألهم، فردّوا عليه، وألحّ عليهم فردّوا، فألحّ، فخرج إليه بعضهم فقال: عافاك الله. أما سمعت الرّدّ؟ قال: ولكنكم غممتموني فأردت أن أغمّكم يا قراننة.
وقف سائل على قوم، فقال بعضهم: بضاعتنا واحدة. فقال السائل: أنا أقود على أمّي.
أعطي سائل كسرة صغيرة. فقال: رحم الله من تمّمها لقمة.
قال بعضهم: رأيت ببغداد مكفوفا يقول: من أعطاني حبّة سقاه الله من
(1) القراننة: جمع قرنان، وهو الديوث المشارك في قرينته.