فلما أصبحوا غدا العباس يطوف، فوجد في المسجد أبا جهل، وأبا البختري في نفر من قريش يتحدثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل إذا قضيت طوافك فهلمّ إلينا. فلما قضى طوافه جاءهم فجلس إليهم، فقال له أبو جهل: ما رؤيا رأتها عاتكة؟ قال: ما رأت من شيء قال أبو جهل: أما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء. إنّا كنا وأنتم كفرسي الرّهان، فاستبقنا المجد منذ حين. فلما تحاكّت الرّكب قلتم: منا نبيّ. فما بقي إلا أن تقولوا: منا نبيّة. لا أعلم في قريش أهل بيت أكذب رجلا ولا امرأة منكم، فآذوه أشدّ الأذى وقال أبو جهل: زعمت عاتكة أن الراكب قال: اخرجوا في ليلتين أو ثلاث، فلو قد مضت هذه الثلاثة تبينت قريش كذبكم، وكتبنا سجلا أنكم أكذب بيت في العرب رجلا وامرأة. أما رضيتم يا بني قصي أن ذهبتم بالحجابة والندوة والسقاية واللواء والرفادة حتى جئتموها بنبيّ منكم. فقال له العباس: هل أنت منته، فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك. فقال من حضرهما: ما كنت يا أبا الفضل
جهولا ولا خرقا.
ولقي العباس من عاتكة فيما أفشى عليها من رؤياها أذى شديدا. فلما كان مساء الليلة الثالثة من الليالي التي رأت فيها عاتكة الرؤيا جاءهم الراكب الذي بعث به أبو سفيان وهو ضمضم بن عمرو الغفاري فصرخ: يا آل غالب بن فهر انفروا فقد خرج محمد صلّى الله عليه وأهل يثرب لأبي سفيان فاحذروا عيركم. ففزعت قريش أشدّ الفزع وأشفقوا من رؤيا عاتكة. وقال العباس: هذا زعمتم كذبي وكذب عاتكة، فنفروا على كل صعب وذلول، فأظفر الله رسوله صلّى الله عليه ببدر.
روي عن عطاء قال: قلت لفاطمة بنت عبد الملك: أخبريني عن عمر بن عبد العزيز. قالت: أفعل، ولو كان حيّا ما فعلت. إنّ عمر رحمه الله كان قد فرّغ للمسلمين نفسه، ولأمورهم ذهنه، فكان إذا أمسى مساء لم يفرغ فيه من حوائج الناس في يومه دعا بسراجه الذي كان يسرج له من ماله ثم صلّى ركعتين، ثم أقعى واضعا رأسه على يديه، تسيل دموعه على خدّيه يشهق الشّهقة تكاد ينصدع لها قلبه، أن تخرج لها نفسه، حتى يرى الصبح.
وأصبح صائما فدنوت منه فقلت: يا أمير المؤمنين ألشيء كان منك ما كان؟ قال: أجل، فعليك بشأنك، وخلّيني وشأني. فقلت: إني أرجو أن أتّعظ.
قال: إذا أخبرك، إني نظرت قد وجدتني وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، ثم ذكرت الفقير الجائع، والغريب الضّائع، والأسير المقهور، وذا المال القليل والعيال الكثير، وأشياء من ذلك في أقاصي البلاد وأطراف الأرض، فعلمت أن الله عز وجل سائلي عنهم، وأن رسول الله صلّى الله عليه حجيجي، لا يقبل الله مني فيهم معذرة، ولا يقوم لي مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حجة، فرحمت والله يا فاطمة نفسي رحمة دمعت لها عيني، ورجع لها قلبي، فأنا كلّما ازددت ذكرا ازددت خوفا فأيقظي أو دعي.
(1) هي فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، زوج الخليفة عمر بن عبد العزيز، توفيت في خلافة هشام بن عبد الملك (تاريخ الإسلام 4/ 290، جمهرة أنساب العرب ص 88) .