وحكي أن سابور استشار وزيرين كانا له، فقال أحدهما: «لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدا إلا خاليا به، فإنه أصون للسّر، وأحزم في الرأي، وأدعى
إلى السلامة، وأعفى لبعضنا من غائلة بعض لأن الواحد رهن بما أفشي إليه، وهو أحرى ألّا يظهره رهبة للملك، ورغبة إليه، وإذا كان عند اثنين فظهر، دخلت على الملك الشبهة، واتّسعت على الرجلين المعاريض، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتّهمهما اتهم بريئا بجناية مجرم وإن عفا عنهما عفا عن واحدا لا ذنب له، وعن الآخر ولا حجة عليه».
من ملك الملوك أردشير بن بابك إلى من يخلفه بعقبه من ملوك فارس السلام والعافية أما بعد:
فإن صنيع الملوك على غير صنيع الرعية، فالملك يطيعه العزّ والأمن والسرور والقدرة على طباع الأنفة والجرأة والعبث والبطر. ثم له، كلما ازداد في العمر تنفّسا وفي الملك سلامة، زيادة في هذه الطبائع الأربعة حتى تسلمه إلى «سكر السلطان الذي هو أشدّ من سكر الشراب» فينسى النكبات والعثرات والغير والدوائر. ويحين تسلّط الأيام ولؤم غلبة الدهر، فيرسل يده بالفعل ولسانه بالقول. وقد قال الأولون منا: «عند حسن الظن بالأيام تحدث الغير» .
وقد كان من الملوك من يذكّره عزّه الذلّ، وأمنه الخوف، وسروره الكآبة، وقدرته العجز، فإذا هو قد جمع بهجة الملوك، وفكرة السوقة، ولا حزم إلا في جمعهما.
اعلموا أن الذي أنتم لا قوه بعدي هو الذي لقيني من الأمور، وهي بعدي واردة عليكم بمثل الذي وردت به عليّ، فيأتيكم السرور والأذى في الملك من حيث أتياني، وأن منكم من سيركب الملك صعبا فيمنى من شماسه وجماحه وخبطه واعتراضه مثل الذي منيت به، وأن منكم من سيرث الملك عن الكفاة المذلّلين له مركبه، وسيجري على لسانه ويلقى في قلبه أن قد فرّغ له وكفي واكتفي وفرّغ للسعي في العبث والملاهي، وأن من قبله من الملوك إلى التوطيد له أجروا، وفي التمكين له سعوا، وأن قد خصّ بما حرموا، وأعطي ما منعوا، فيكثر أن يقول مسرّا ومعلنا: خصّوا بالعمل وخصصت بالدّعة، وقدّموا قبلي إلى الغرر وخلّفت في الثقة.
وهذا الباب من الأبواب التي يكسر بها سكور الفساد، ويهاج بها دواهم البلاء، ويعمي البصير عن لطيف ما ينتهك من الأمور في ذلك.