وقيل: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى ثم يجمع جراميزه ويثب فكأنما خلق على ظهر فرسه فكان الوليد بن يزيد يفعل مثل ذلك، وفعله مرة وهو ولي عهده، ثم أقبل على مسلمة بن هشام: فقال له: أبوك يحسن مثل هذا؟ فقال مسلمة: لأبي مائة عبد يحسنون هذا. فقال الناس: لم ينصفه في الجواب.
وقال عمرو بن عتبة بن أبي سفيان للوليد: إنك تستنطقني بالأنس بك، وأكفت من ذلك بالهيبة لك، وأراك تأمن أشياء أخافها عليك، فأسكت مطيعا أو أقول مشفقا؟ قال: كل ذلك مقبول منك، ولله فينا علم نحن صائرون إليه، ونعود فنقول: قال: فقتل بعد أيام.
قال العلاء بن المغيرة البندار: قلت للوليد: إني أريد العراق أفلك حاجة يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم بربط [1] من صنعة زربي.
قال حمّاد الراوية: دخلت على الوليد بن يزيد وإذا عنده رجلان فقالا:
قد نظرنا فيما أمر به أمير المؤمنين، فوجدناه يعيش مؤيدا منصورا، يزجى له الخراج، وتخلص له قلوب الرعية ثلاثين سنة.
قال: فقلت في نفسي: والله لأخدعنه كما خدعاه. فقلت: يا أمير المؤمنين نحن أعلم بالرواية والآثار، وقد نظرنا في هذا الأمر من قبلهما، فوجدناك تعيش على ما ذكر أربعين سنة. قال: فنكت في الأرض ثم قال: لا ما قال هذان يغرّني، ولا ما قلت يبطرني، والله لأجبينّ المال من حلّه جباية من يعيش الأبد، ولأصرفنّه في حقّه صرف من يموت في غد. وقد روي مثل هذا الكلام عن الوليد بن عبد الملك.
لما قتل الوليد بن يزيد قام يزيد خطيبا فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
أيّها الناس والله ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفسي، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربّي ولكني خرجت عضبا لله ولدينه، وداعيا إلى الله، وإلى سنة نبيه، لما هدمت معالم الهدى، وأطفىء نور أهل التقوى، وظهر الجبار العنيد، المستحلّ لكلّ
(1) البربط: العود، فارسى.
(2) هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، ولد سنة 86هـ، وثار على ابن عمه الوليد بن يزيد وقتله، وتولى الخلافة سنة 126هـ، ولم يمكث بها غير خمسة أشهر، وتوفي في السنة نفسها، وهو الملقب بالناقص لنقصه الناس من أعطياتهم ما كان زاده الوليد بن يزيد في أعطياتهم (انظر البداية والنهاية 10/ 1812) .