فهرس الكتاب

الصفحة 765 من 1777

يتمايل بكم يمينا وشمالا، قد خطب عقولكم، واستمهر وجلكم، ممتحنا لكم، ومعترفا أخطاركم، وهل تسمو هممكم إلى منازعته ولولا تيك لكان قسمه خسيسا، وسعيه تعيسا لكن بدر بالرأي، وثنى بالقضاء، وثلّث بالشورى ثم غدا سامرا مسلّطا درّته على عاتقه فتطأطأتم له تطأطؤ الحقّة، وولّيتموه أدباركم حتى علا أكتافكم، ينعق بكم في كل مرتع، ويشدّ منكم على كل مخنق، لا يبتعث لكم هتاف، ولا يأتلق لكم شهاب يهجم عليكم بالسراء، ويتورّط بالحوباء، عرفتم أو أنكرتم، لا تألمون ولا تستنطقون، حتى إذا عاد الأمر فيكم ولكم، في مونقة من العيش، عرقها وشيج، وفرعها عميم، وظلها ظليل تتناولون من كثب ثمارها أنّى شئتم رغدا، وحلبت عليكم عشار الأرض دررا، واستمرأتم أكلكم من فوقكم ومن تحت أرجلكم، في خصب غدق، وأوق شرق، تنامون في الخفض وتستلينون الدّعة، ومقتم زبرجة الدنيا وحرجتها، واستحليتم غضارتها ونضرتها وظننتم أن ذلك سيأتيكم من كثب عفوا، ويتحلب عليكم رسلا، فانتضبتم سيوفكم، وكسرتم جفونكم، وقد أبى الله أن تشام سيوف جرّدت بغيا وظلما، ونسيتم قول الله جلّ وعز إِنَّ الْإِنْسََانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذََا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذََا مَسَّهُ الْخَيْرُ

مَنُوعًا (21) [المعارج: 2119] .

فلا يهنينّكم الظفر، ولا يستوطننّ بكم الحضر، فإنّ الله بالمرصاد، وإليه المعاد، والله ما يقوم الظّليم إلا على رجلين، ولا ترنّ القوس إلا على سيتين فأثبتوا في الغرز أرجلكم، فقد ضللتم هداكم في المتيهة الخرقاء، كما أضل أدحيّته الحسل. وسيعلم كيف يكون إذا كان الناس عباديد، وقد نازعتكم الرجال واعترضت عليكم الأمور، وساورتكم الحروب بالليوث، وقارعتكم الأيام بالجيوش، وحمي عليكم الوطيس، فيوما تدعون من لا يجيب، ويوما تجيبون من لا يدعو. وقد بسط باسطكم كلتا يديه يرى أنهما في سبيل الله فيد مقبوضة وأخرى مقصورة، والرؤوس تندو عن الطّلى، والكواهل كما ينقف التّنوّم [1] . فما أبعد نصر الله من الظالمين وأستغفر الله مع المستغفرين.

أروى بنت الحارث [2]

حديثها مع معاوية

قيل: دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية بن أبي سفيان بالموسم وهي عجوز كبيرة، فلما رآها قال: مرحبا بك يا عمة. قالت:

كيف أنت يا بن أخي، لقد كفرت بعدي بالنعمة، وأسأت لابن عمك الصّحبة، وتسمّيت بغير اسمك، وأخذت غير حقّك، بغير بلاء كان منك ولا من آبائك في الإسلام ولقد كفرتم بما جاء به محمد صلّى الله عليه. فأتعس الله الجدود، وصغّر منكم الخدود، حتى رد الله الحقّ إلى أهله، وكانت كلمة الله هي العليا، ونبيّنا محمد صلّى الله عليه هو المنصور على من ناوأه ولو كره المشركون.

فكنا أهل البيت أعظم الناس في الدين حظّا ونصيبا وقدرا، حتى قبض الله نبيّه صلّى الله عليه مغفورا ذنبه، مرفوعة درجته، شريفا عند الله مرضيا، فصرنا أهل

(1) التنوم: شجر له مثل حب الخروع ينفلق عن حب تأكله البادية.

(2) هي أروى بنت الحارث بن المطلب بن هاشم، تزوجها أبو وداعة بن صبرة بن سعيد، فولدت له المطلب وأبا سفيان وأم جميل، وأم حكيم والربعة (انظر: الطبقات الكبرى 8/ 40، الإصابة 8/ 4، الدر المنثور 25، أعلام النساء 1/ 290) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت