أما بعد فإنّ الأمر قد خرج بيني وبين أخي إلى هتك الستور، وكشف الحرم، ولست آمن أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد لشتات ألفتنا، واختلاف كلمتنا، وقد رضيت أن تكتب لي أمانا لأخرج إلى أخي به فإن تفضّل عليّ فأهل لذلك، وإن قتلني فمروة كسرت مروة، وصمصامة قطعت صمصامة ولأن تفترسني السّبع أحبّ إليّ من أن ينبحني الكلاب.
ودفع الكتاب إلى خادم له وقال لي: امض معه.
فعبرنا إلى طاهر فقال: الآن حين انخرم عنه مرّاقه وفسّاقه، وبقي مخذولا، مغلولا يلوذ بالأمان لا والله أو يجعل في عنقه ساجورا [1] ، ويقول:
هأنذا قد نزلت على حكمك.
فقلنا: فما الجواب؟ قال: قد سمعتماه فانصرفا إلى الأمين، وأخبراه بذلك فقال: كذب عبد السوء العاضّ لهن أمه والله ما أبالي أوقعت على الموت أو وقع الموت عليّ.
كان الأمين أول من دعي له على المنابر باللقب، وأول من كتب عنه: من عبد الله محمد الأمين.
سمع الأمين الفضل بن ربيع يتمثل بقول البعيث [2] : [الطويل]
لشتّان ما بيني وبين ابن خالد ... أميّة في الرزق الذي الله يقسم
يقارع أتراك ابن خاقان ليله ... إلى أن يرى الإصباح، لا يتلعثم
وآخذها صهباء كالمسك ريحها ... لها أرج في دنّها حين ترشم
فقال له: يا عباسيّ لقد علمت ما أردت بتمثّلك، أردتّني وعبد الله أخي، وأنه يجدّ بي وأمزح، وما ضرّ يزيد لعبه، ولا نفع ابن الزّبير تيقّظه وجدّه، وما قضي فهو كائن، وإلى الله تصير الأمور.
قال يوما لبعض رهطه: يا نطف الخمار، ونزائع الظّؤورة [4] ، وأشباه الخؤولة.
(1) الساجور: خشبة تعلق في عنق الكلب لتكون علامة له.
(2) الأبيات في الشعر والشعراء ص 472، 476.
(3) المأمون: هو عبد الله أبو العباس المأمون بن هارون الرشيد، ولد ببغداد سنة 170هـ، وتوفي بطوس سنة 218هـ، الخليفة العباسي، كان معتزلي المذهب وحارب كثيرا وحقق انتصارات عظيمة، وفي عهده ظهرت محنة القول بخلق القرآن (انظر: تاريخ الطبري 10/ 270، تاريخ المقريزي 2/ 492، الفخري 197، تاريخ بغداد 10/ 183، الكامل في التاريخ 6/ 144، الأعلام 4/ 142) .
(4) الظؤورة: جمع ظئر، وهي المرضعة لغير أولادها.