قال: فركب وركبنا ومعه معاوية في قدمة قدمها عليه من الشام فو الله لكأنّي أنظر إليه على بغلة له بيضاء يعنق أمام الموكب ونحن نتداول الخصومة وإذ رمى
معاوية بكلمة عرفت أنه ردفني بها قال: يا هذان إنكما قد أكثرتما. أرأيتما هذه الضّفيرة أكانت في زمن عمر بن الخطاب؟ قال: فلقّننيها. فقلت: نعم، والله إن كانت في زمن عمر. قال: فقال الموكب جميعا: فلا والله لو كان ضررا ما أقرّه عمر. فالله يعلم ما انتهينا إليها حتّى يردّ عليه القضاء إن قيل: إن كانت لفي زمن عمر. فلما انتهى إليها عثمان قال: والله ما أرى ضررا. وقد كانت في زمن عمر ولو كان ظلما ما أقرّه.
خرج رجل من بني سليم على المنصور فظفر به فأمر أن يضرب بالسّياط فلمّا أقيم بين العقابين. قال: يا أمير المؤمنين إنّ عقوبتي تجل عن السّياط، وعفوك يجل عن التثريب. فإمّا عاقبتني عقوبة مثلي وإمّا عفوت عفو مثلك. قال: قد عفوت. وخلاه.
أتي زياد برجل فأمر بضرب عنقه. فقال: أيّها الأمير إن لي بك حرمة قال:
وما هي؟ قال: كان أبي جارك بالبصرة. فقال: ومن أبوك؟ قال: قد والله نسيت اسم نفسي، فكيف اسم أبي؟ قال: فردّ زياد كمّه إلى فمه وضحك وخلى سبيله.
مرّ زياد بأبي العريان فقال: من هذا؟ فقالوا: زياد بن أبي سفيان. فقال: ربّ أمر قد نقضه الله، وعبد قد ردّه الله. فسمعها زياد فكره الإقدام عليه وكتب بها إلى معاوية، فأمره بأن يبعث إليه بألف دينار، ويمرّ به ويسمع ما يقول. ففعل زياد ذلك، ومرّ به فقال من هذا؟ قالوا: زياد، فقال: رحم الله أبا سفيان: لكأنّها تسليمته ونغمته. فكتب بها زياد إلى معاوية فكتب إلى أبي العريان: [البسيط] ما لبّثتك دنانير رشيت بها ... أن لوّنتك أبا العريان ألوانا
فدعا أبو العريان ابنه وأملى عليه إلى معاوية: [البسيط] من يسد خيرا يجده حيث يطلبه ... أو يسد شرّا يجده حيثما كانا
تقدّم رجل إلى سوّار وكان سوّار له مبغضا فألح عليه فقال له سوّار في بعض مخاطبته: يا بن اللّخناء. فقال: ذاك خصمي. فقال الخصم: أعدني عليه. فقال له الرجل: خذ له بحقّه وخذ لي بحقّي. ففهم وسأله أن يغفر له.
قال عبيد الله بن زياد بن ظبيان: إيّاكم والطّمع فإنّه دناءة. والله لقد رأيتني على باب خاصة الحجّاج، وخرج فأردت أن أعلوه بالسّيف فقال: يا بن ظبيان هل لقيت يزيد بن أبي مسلم. قلت: لا، قال: فالقه فإنّا قد أمرناه أن يعطيك عهدك على الريّ. قال: فطمعت فكففت. فإياكم والطّمع فإنه دناءة.