قال الأصمعي: قال لي الرشيد في أول يوم عزم فيه على تأنيسي: يا عبد الملك أنت أحفظ منّا، ونحن أعقل منك. لا تعلّمنا في ملإ، ولا تسرع
إلى تذكيرنا في خلاء، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلغت من الجواب قدر استحقاقه فلا تزد، وإياك والبداء إلى تصديقنا، أو شدة العجب بما يكون منّا. وعلمنا من العلم ما نحتاج إليه على عتبات المنابر، وفي أعطاف الخطب، وفواصل المخاطبات، ودعنا من رواية حوشيّ الكلام وغرائب الأشعار، وإياك وإطالة الحديث إلا أن نستدعي ذلك منك. ومتى رأيتنا صادفين عن الحق فأرجعنا إليه ما استطعت، من غير تقرير بالخطأ، ولا إضجار يطول التّرداد.
قال: قلت: أنا إلى حفظ هذا الكلام أحوج منّي إلى كثير من البر.
قيل لبعض العلماء: كيف كانت بلاغة الأمين؟ قال: والله لقد أتته الخلافة يوم جمعة، فما كان إلّا ساعة حتى نودي: الصلاة جامعة، فخرج ورقى المنبر فحمد الله، وأثنى عليه. ثم قال:
أيّها الناس وخصوصا يا بني العباس إنّ المنون مراصد ذوي الأنفاس حتم من الله لا يدفع حلوله، ولا ينكر نزوله، فارتجعوا قلوبكم من الحزن على الماضي إلى السرور بالباقي، تجزون ثواب الصابرين، وتعطون أجور الشاكرين.
فتعجب الناس من جرأته، وبلّة ريقه، وشدّة عارضته.
وكان المأمون يقول: كان يقول لي الرشيد: وددت لو أن لك بلاغة محمد، وأنّ عليّ غرم كذا وكذا.
وذكر أنّ محمدا في صباه كان كثير اللّعب، وكان المعلّم يلقي عليه في الكتاب، وعلى المأمون، وكان محمد يلعب ويحفظ، والمأمون ينسى وهو مقبل على العلم يقصد قصده.
ذكر أنه دعا يوما عبد الله بن أبي عفّان ليصطبح فأبطأ فلما جاء قال:
أظنّك أكلت. قال: لا والله. قال: والله لتصدقنّ، قال: نعم يا أمير المؤمنين
(1) الأمين العباسي: هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى الهاشمي العباسي، ولد سنة 170هـ، وبويع بالخلافة سنة 193هـ بعد وفاة الرشيد، وقتل سنة 198هـ (البداية والنهاية 10/ 258255) .