قال: فما حملك على ذلك؟ قالت: لا تعدم الحسناء ذاما [1] . والساخط ليس براض. ومع ذلك فما عدوت فيما قلت لك إن نسبتك إلى التواضع والدين، وعدوّك إلى الخيلاء والطمع. ولئن ذاقوا وبال أمرهم لتحمدنّ عاقبة شأنك، وليس من قال فكذب كمن حدّث وصدق. وأنت بالتجاوز جدير، ونحن للعفو أهل، فاستر عليّ الحرمة، تستتمّ النعمة، فو الله ما يرفعك القول ولا يضعك. وإنّ قريشا لتعلم إنّك عابدها وشجاعها، وسنانها ولسانها، حاط الله لك دنياك، وعصم أخراك، وألهمك شكر ما أولاك.
ذكر الأصمعي عن أبان بن تغلب قال: خرجت في طلب الكلأ، فانتهيت إلى ماء من مياه كلب، وإذا أعرابي على ذلك الماء ومعه كتاب منشور يقرؤه عليهم، وجعل يتوعّدهم. فقالت له أمّه وهي في خبائها، وكانت مقعدة كبرا: ويلك! دعني من أساطيرك. لا تحمل عقوبتك على من لم يحمل عليك، ولا تتطاول على من لا يتطاول عليك. فإنك لا تدري ما يقرّبك إليه حوادث الدهور، ولعلّ من صيّرك إلى هذا اليوم أن يصير غيرك إلى مثله غدا، فينتقم منك أكثر ممّا انتقمت منه، فاكفف عمّا أسمع منك ألم تسمع إلى قول الأوّل [2] : [المنسرح]
لا تحقرنّ الفقير علّك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه
قال مهدي بن أبان: قلت لولّادة العبدية وكانت من أعقل النساء إنّي أريد الحجّ فأوصني. قالت: أوجز فأبلغ، أم أطيل فأحكم. فقلت: ما شئت. قالت:
جد تسد، واصبر تفز، قلت: أيضا قالت: لا يتعدّ غضبك حلمك، ولا هواك علمك، وق دينك بدنياك، وفر عرضك بعرضك، وتفضّل تخدم، واحلم تقدم.
قلت: فمن أستعين؟ قالت: الله. قلت: من الناس؟ قالت: الجلد النشيط، والناصح الأمين.
(1) انظر مجمع الأمثال 2/ 136، والذام: العيب.
(2) البيت للأضبط بن قريع في الأغاني 18/ 68، والحماسة الشجرية 1/ 474، والدرر 2/ 164، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 1151، والشعر والشعراء 1/ 390، والمعاني الكبير ص 495، وتاج العروس (ركع) ، وبلا نسبة في لسان العرب (قنس) ، (ركع) ، (هون) ، واللمع ص 278، ومغني اللبيب 1/ 155.