فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 1777

وروي عن أبي الأسود قال: أنفذني عثمان بن حنيف مع عمران بن حصين إلى عائشة فقلنا: يا أمّ المؤمنين أخبرينا عن مسيرك هذا أعهد عهده رسول الله صلّى الله عليه أم رأي رأيته؟ قالت: بل رأي رأيته حين قتل عثمان إنا نقمنا عليه ضربة السوط وموقع السحابة المحمية، وإمرة سعيد والوليد. فعدوتم عليه فاستحللتم منه الحرم الثلاث حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، بعد أن مصناه كما يماص الإناء فاستتبناه، فركبتم منه هذه ظالمين. أغضبنا لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيفكم؟ قلت: ما أنت وسيفنا وسوط عثمان؟ وأنت حبيس رسول الله صلّى الله عليه. أمرك أن تقرّي في بيتك، فجئت تضربين الناس بعضا ببعض. قالت: وهل أحد يقاتلني أو يقول غير هذا؟ قلت:

نعم. قالت: ومن يفعل ذلك؟ أزنيم بن عامر؟ هل أنت مبلّغ عني يا عمران؟ قال:

لا لست مبلّغا عنك خيرا ولا شرّا، قلت: لكني مبلغ عنك. هات ما شئت.

قالت: اللهمّ اقتل مذمّما قصاصا بعثمان، وارم الأشتر بسهم من سهامك لا يشوى، وأدرك عمارا بحفرته في عثمان.

وروي أنها كانت تقول: لا تطلبوا ما عند الله من عند غير الله بما يسخط الله.

وكانت تقول: لله در التقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء.

وقالت يوم الحكمين: رحمك الله يا أبت، فلئن أقاموا الدنيا فلقد أقمت الدين حين وهي شعبه، وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه، انقبضت عمّا إليه أصغوا، وشمّرت فيما عنه ونوا، واستصغرت من دنياك ما أعظموا، ورغبت بدينك عما أغفلوا أطالوا عنان الأمن واقتعدت مطيّ الحذر، فلم تهضم دينك، ولم تنس غدك. ففاز عند المساهمة قدحك، وخفّ مما استوزروا ظهرك.

وروي أنه لما قتل عثمان قالت: أقتل أمير المؤمنين؟ قالوا: نعم، قالت:

فرحمه الله وغفر له. أما والله لقد كنتم إلى تسديد الحقّ وتأييده، وإعزاز الإسلام وتأكيده، أحوج منكم إلى ما نهضتم إليه، من طاعة من خالف عليه، ولكن كلما

زادكم الله نعمة في دينكم ازددتم تثاقلا في نصرته طمعا في دنياكم. أما والله لهدم النعمة أيسر من بنائها، وما الزيادة إليكم بالشكر بأسرع من زوال النعمة عنكم بالكفر، وأيم الله لئن كان فني أكله، واخترم أجله، لقد كان عند رسول الله صلّى الله عليه كذراع البكر الأزهر، ولئن كانت الإبل أكلت أوبارها إنه لصهر رسول الله صلّى الله عليه، ولئن كان برك عليه الدهر بزوره، وأناخ عليه بكلكه، إنها النوائب تترى تلعب بأهلها وهي جادّة وتجذبهم وهي لاعبة، أما والله لقد حاط الإسلام وأكّده، وعضّد الدين وأيده، ولقد هدم الله به صياصي (1) الكفر، وقطع به دابر المشركين، ووقم (2) به أركان الضلالة، فلله المصيبة به ما أفجعها والفجيعة به ما أوجعها! صدع الله بمقتله صفاة الدين، وثلمت مصيبته ذروة الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت