فقال معاوية: والله يا أمّ الخير ما أردت بهذا الكلام إلّا قتلى، وو الله لو قتلتك ما حرجت في ذلك. قالت: والله ما يسوؤني يا بن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني بشقائه، قال: هيهات يا كثيرة الفضول: ما تقولين في عثمان ابن عفان؟ قالت: وما عسيت أن أقول فيه؟ أستخلفه الناس وهم كارهون، وقتلوه وهم راضون.
فقال معاوية: إيها يا أم الخير. هذا والله أصلك الذي تبنين عليه. قالت:
{لََكِنِ اللََّهُ يَشْهَدُ بِمََا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلََائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى ََ بِاللََّهِ شَهِيدًا}
(166) [النساء: 166] ما أردت لعثمان نقصا. ولقد كان سبّاقا إلى الخيرات وإنّه لرفيع الدرجة. قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة؟ اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر. وقد وعده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجنّة.
قال: فما تقولين في الزبير؟ قالت: يا هذا لا تدعني كرجيع الضبع [1] يعرك في المركن [2] قال: حقّا لتقولنّ ذلك. وقد عزمت عليك. قالت: وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحوارّيه؟ وقد شهد له رسول الله صلّى الله عليه بالجنّة. ولقد كان سبّاقا إلى كلّ مكرمة من الإسلام. وإني أسألك بحقّ الله يا معاوية فإنّ قريشا تحدّث أنّك من أحلمها، فأنا أسألك بأن تسعني بفضلك، وأن تعفيني من هذه المسائل. وامض لما شئت من غيرها. قال: نعم وكرامة قد أعفيتك، وردّها مكرمة إلى بلدها.
ذكر أنّ الجمانة بنت المهاجر بن خالد بن الوليد نظرت إلى عبد الله بن الزبير وهو يرقى المنبر، يخطب بالناس في يوم جمعة فقالت حين رأته في المنبر: أيا نقّار انقر. أما والله لو كان فوقه نجيب من بني أمية، أو صقر من بني مخزوم لقال المنبر: طيق طيق. قال: فأنمي كلامها إلى عبد الله بن الزبير، فبعث إليها فأتي بها فقال لها: ما الذي بلغني عنك يا لكاع؟ قالت: الحقّ أبلغت يا أمير المؤمنين،
(1) رجيع الضبع: نجوه.
(2) المركن: قطعة من أدم تتخذ للماء.