الحقّ؟ أما سمعتم الله عزّ وجلّ يقول: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّى نَعْلَمَ الْمُجََاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصََّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبََارَكُمْ} (31) [محمد: 31] .
ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصّبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرّعية، وبيدك يا ربّ أزمّة القلوب، فاجمع إليه كلمة التّقوى، وألّف القلوب على الهدى، واردد الحقّ إلى أهله هلمّوا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصيّ الوفي، والصديق الأكبر، إنها إحن بدريّة، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحديّة وثب بها معاوية حين الغفلة، ليدرك بها ثارات بني عبد شمس.
ثم قالت: {فَقََاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لََا أَيْمََانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ}
[التوبة: 12] صبرا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربّكم، وثبات من دينكم فكأنّي بكم غدا قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة فرّت من قسورة، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضّلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى. {قََالَ عَمََّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نََادِمِينَ} (40) [المؤمنون: 40] . تحل بهم النّدامة فيطلبون الإقالة. إنّه والله من ضلّ عن الحقّ وقع في الباطل، ومن لم يسكن الجنة نزل النّار.
أيّها الناس، إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، واستبطؤوا الآخرة فسعوا لها. والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق، وتعطّل الحدود، ويظهر الظالمون. وتقوى كلمة الشيطان، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه. فإلى أين تريدون رحمكم الله؟ عن ابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه، وزوج ابنته، وأبي ابنيه، خلق من طينته، وتفرّع من نبعته، وخصّه بسره، وجعله باب مدينته، وعلم المسلمين وأبان ببغضه المنافقين. فلم يزل كذلك يؤيّده الله عزّ وجلّ بمعونته، ويمضي على سنن استقامته، لا يعرج لراحة الدار.
ها هو مفلق الهام، ومكسّر الأصنام، إذ صلّى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون، فلم يزل كذلك حتّى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرّق جمع هوازن. فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا، وردّة وشقاقا. قد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.