وولي عثمان بن عفّان فسار ستّ سنين بسيرة صاحبيه، وكان دونهما ثم سار
في السّتّ الأواخر بما أحبط الأوائل، ثم مضى لسبيله، وولي عليّ بن أبي طالب فلم يبلغ من الحقّ قصدا، ولم يرفع له منارا، ثم مضى لسبيله، وولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول الله وابن لعينه فاتّخذ عباد الله خولا، ومال الله دولا، ودينه دغلا، فالعنوه لعنة الله. ثم ولي يزيد بن معاوية، يزيد الخمور، ويزيد القرود، ويزيد الفهود، الفاسق في بطنه، المأبون في فرجه، ثم اقتصّهم خليفة خليفة. فلما انتهى إلى عمر بن عبد العزيز أعرض عن ذكره. ثم ولي يزيد بن عبد الملك الفاسق في بطنه المأبون في فرجه الذي لم يؤنس منه رشد، ولم يرع له عهد. وقد قال الله في أموال اليتامى {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوََالَهُمْ}
[النساء: 6] . فأمر أمّة محمد أعظم. يأكل الحرام، ويشرب الحرام، ويلبس الحلّة قوّمت ألف دينار، قد ضربت فيها الأبشار، وهتكت فيها الأستار، وأخذت من غير حلّها، حبابة عن يمينه، وسلّامة عن يساره يغنّيانه حتّى إذا أخذ الشارب منه كلّ مأخذ قدّ ثوبه، ثمّ التفت إلى إحداهما فقال: ألا أطير؟ نعم، فطر إلى النّار.
وأمّا بنو أميّة ففرقة الضّلالة، بطشهم بطش جبريّة، يأخذون بالظّنة، ويقضون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويحكمون بالشفاعة ويأخذون الفريضة من غير موضعها، ويضعونها في غير أهلها، وقد بيّن الله أهلها فجعلهم ثمانية أصناف.
قال: {إِنَّمَا الصَّدَقََاتُ لِلْفُقَرََاءِ} [التوبة: 60] إلى آخر الآية. فأقبل صنف تاسع ليس منهما فأخذها كلّها. تلكم الأمة الحاكمة بغير ما أنزل الله.
أمّا بعد: فإني أحذّركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات وراقت بالقليل، وتحبّبت بالعاجلة، وخلبت بالآمال، وتزيّنت بالغرور ولا تدوم حبرتها، ولا تؤمن فجيعتها، غرّارة ضرّارة، وحائلة زائلة، ونافذة بائدة، أكّالة غوّالة، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها، والرّضا عنها أن تكون كما قال الله تعالى: {كَمََاءٍ أَنْزَلْنََاهُ مِنَ السَّمََاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبََاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيََاحُ وَكََانَ اللََّهُ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45] .
(1) قطري ابن الفجاءة: هو أبو نعامة جعونة بن مازن بن يزيد الكناني المازني التميمي، والفجاءة أمّه، من رؤساء الخوارج وأبطالهم، من أهل قطر، توفي سنة 78هـ (الأعلام 5/ 200) .