الباب الثالث عشر: العي، ومخاطبات الحمقى.
قال الهيثم [1] : خرج معاوية يريد مكة، حتى إذا كان بالأبواء اطلع في بئر عادية فأصابته اللّقوة. فأتى مكة، فلما قضى نسكه، وصار إلى منزله، دعا بثوب، فلفّه على رأسه، وعلى جانب وجهه الذي أصابه فيه ما أصابه، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، وعنده مروان، فقال:
«إن أكن قد ابتليت فقد ابتلي الصالحون قبلي، وأرجو أن أكون منهم وإن عوقبت فقد عوقب الظالمون قبلي، وما آمن أن أكون منهم، وقد ابتليت في أحسني وما يبدو مني، وما أحصي صحيحي. وما كان لي على ربّي إلا ما أعطاني. والله إن كان عتب بعض خاصّتكم لقد كنت حدبا على عامتكم فرحم الله امرءا دعا لي بالعافية:
قال: فعج الناس [2] بالدعاء له، فبكى فقال مروان: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: كبرت سنّي، وكثر الدمع في عيني، وخشيت أن تكون عقوبة من ربّي، ولو يزيد أبصرت قصدي.
دخل المسور على معاوية، فقال له: كيف تركت قريشا؟ قال:
أنت سيدها يا أمير المؤمنين، أعلاها كعبا، وأسودها أبا، وأرفعها ذكرا وأجلّها قدرا. قال: كيف تركت سعيدا؟ قال: عليلا. قال: لليدين
(1) هو الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن بن زيد بن أسيد بن جابر الطائي الثعالبي البحتري الكوفي، أبو عبد الرحمن، المعروف بابن عدي الأخباري، نزيل بغداد، مختص بمجالس الخلفاء، ولد سنة 130هـ، وتوفي سنة 207هـ، له العديد من المصنّفات (انظر: كشف الظنون 6/ 511، شذرات الذهب 2/ 19، إنباه الرواة 3/ 365) .
(2) عجّ الناس: ارتفعت أصواتهم.