ولما بويع أبو بكر قام خالد بن الوليد خطيبا، فقال: إنا رمينا في بدء هذا الأمر بأمر ثقل علينا حمله، وصعب علينا مرتقاه، ثم ما لبثنا أن خفّ علينا
محمله، وذلّ لنا مصعبه، وعجبنا ممن شكّ فيه، بعد أن عجبنا ممّن آمن به، وما سبقنا إليه بالعقول ولكنّه التوفيق. ألا وإنّ الوحي لم ينقطع حتى أكمل، ولم يذهب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتى أعذر، فلسنا ننتظر بعد النبيّ نبيّا، ولا بعد الوحي وحيا ونحن اليوم أكثر منا أمس، ونحن أمس خير منا اليوم. من دخل هذا الدين كان من ثوابه على حسب عمله، ومن تركه رددناه إليه. إنه والله ما صاحب هذا الأمر بالمسؤول عنه، ولا متخلّف فيه، ولا الخفيّ الشخص ولا الغموز القناة.
وكان خالد يقول: ما ليلة أسرّ إليّ من ليلة تهدى إليّ فيها عروس إلا ليلة أغدو في صبيحتها إلى قتال عدوّ.
قال أبو بكر خطيبا يحضّ على الجهاد فتثاقل الناس عنه، فقام عمر فقال:
{لَوْ كََانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قََاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ} [التوبة: الآية 42] فقام خالد، ويقال:
بل كان خالد بن سعيد، وهو أشبه، فقال: ألنا تضرب أمثال المنافقين يا عمر؟
والله لقد أسلمت وإنّ لبني عديّ صنما من تمر إذا جاعوا أكلوه، وإذا شبعوا استأنفوه. وكان خالد بن سعيد قديم الإسلام والصحبة.
غزا منظور بن زبّان، مع خالد بن الوليد أيام الرّدّة، فقتل منظور رجلا وقال: بؤ بورد بن حذيفة، فقال له خالد اغضب لله يا منظور، فقال: حتى أقضي حزابة في نفسي.
خطب يوم الشّورى، فقال: الحمد لله بديئا كان وآخرا يعود. أحمده كما أنجاني من الضّلالة وبصّرني من العماية، فبرحمة الله فاز من نجا، وبهدي الله أفلح من وعى، وبمحمد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم استقامت الطرق، واستنارت السّبل، فظهر كلّ حقّ ومات كلّ باطل. إياكم أيها النفر وقول أهل الزور، وأمنية الغرور، فقد سلبت الأماني قبلكم قوما ورثوا ما ورثتم، ونالوا ما نلتم، فاتخذهم الله أعداء ولعنهم لعنا كثيرا. قال الله عزّ وجلّ: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلى ََ لِسََانِ دََاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذََلِكَ بِمََا عَصَوْا
وَكََانُوا يَعْتَدُونَ (78) كََانُوا لََا يَتَنََاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَفْعَلُونَ (79) [المائدة: الآيتان 78، 79] . وإني نكبت قرني، فأخذت سهمي الفالج، وأخذت لطلحة بن عبيد الله في غيبته ما ارتضيت لنفسي في حضوري، فأنا به زعيم، وبما أعطيت عنه كفيل، والأمر إليك يا ابن عوف بصدق النّفس وجهد النّصح، وعلى الله قصد السبيل، وإليه المصير.