فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 1777

خطب بعد فتح الأبلّة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الدنيا قد تولّت بحذافيرها مدبرة، وقد آذنت أهلها بصرم، وإنما بقي منها صبابة كصبابة الإناء يصبها صاحبها. ألا وإنكم مفارقوها لا محالة، ففارقوها بأحسن ما بحضرتكم. ألا إن من العجب أنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إن الحجر الضخم ليرمى به من شفير جهنّم فيهوي في النار سبعين خريفا، ولجهنم سبعة أبواب ما بين البابين منها مسيرة خمسمائة عام. ولتأتين عليه ساعة وهو كظيظ من الزحام. ولقد كنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سابع سبعة، ما لنا طعام إلا ورق البشام حتى قرحت أشداقنا، فوجدت أنا وسعد ثمرة فشققتها بيني وبينه نصفين، وما منّا اليوم أحد إلا وهو على مصر أمير، وإنّه لم تكن نبوة قط إلا تناسختها جبريّة، وأنا أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وفي أعين الناس صغيرا، وستجرّبون الأمر بعدي فتعرفون وتنكرون.

الباب الخامس كلام عمر بن عبد العزيز[1]

كتب إليه أبو بكر بن حزم وهو والي المدينة من جهته: إن رأى الأمير أن يقطع لي من الشمع والقراطيس ما كان يقطع لعمال المدينة فكتب إليه:

جاءني كتابك وإنّ عهدي بك تخرج من بيتك في الليلة الظلماء بغير سراج.

وأما القراطيس فأذقّ القلم، وأوجز الإملاء، واجمع الحوائج في صحيفة.

وذكر له سليمان بن عبد الملك يزيد بن أبي مسلم بالعفة عن الدّرهم والدينار، وهمّ بأن يستكفيه مهمّا من أمره. فقال له عمر: أفلا أدلّك على من هو أزهد في الدرهم والدينار منه وهو شرّ الخلق؟ قال: بلى. قال: إبليس لعنه الله.

وكان يقول: أيها الناس إنما خلقتم للأبد، وإنّما تنقلون من دار إلى دار.

وخطب فقال: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله للحكم فيكم، والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله الّتي وسعت كلّ شيء، وحرم الجنة التي عرضها السموات والأرض.

واعلموا أن الأمان غدا لمن خاف، وباع قليلا بكثير، وفانيا بباق ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين؟ وسيخلفها من بعدكم الباقون، حتى تردّوا إلى خير الوارثين.

(1) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، أبو حفص، الخليفة الصالح، والملك العادل، قيل له: خامس الخلفاء الراشدين، وهو الذي منع سب الإمام علي على المنابر، توفي سنة 101هـ (انظر: الأعلام 5/ 50، كتاب الثقات 5/ 151، الطبقات الكبرى 5/ 253، البداية والنهاية 9/ 231205) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت