وفي تلك الفترة لم يبق للخليفة العباسي في بغداد إلا اسمه، أي أنه أصبح رمزا للسلطة الدينية فحسب يدعى باسمه على المنابر، وليس له شيء من الأمر أو النهي، بل لم يبق له وزير يدبّر شؤون الدولة باسمه، وإنما كل ما كان له كاتب يدير شؤونه المالية
ويحصي نفقاته ودخل إقطاعاته لا غير، أما ما عدا ذلك من شؤون الحرب والسياسة وتدبير أمر الرعية، فلم يكن لبني العباس منها قليل أو كثير.
وقد ظهر بنو بويه في تلك الفترة، وكانوا من بلاد الديلم أو بلاد جيلان التي تقع في الجنوب الغربي من شاطىء بحر الخزر (بحر قزوين) وأولاد بويه الذين سمّيت دولتهم «دولة بني بويه» أو «الدولة البويهية» ثلاثة، هم:
1 -عماد الدولة، علي بن بويه، الذي كان يحكم فارس والأهواز وكان أكبر بني بويه، ولذلك كان يلقّب «أمير الأمراء» .
2 -ركن الدولة، الحسن بن بويه، الذي كان يحكم الجبل والري وجرجان وطبرستان.
3 -معز الدولة، أحمد بن بويه، الذي حكم العراق. وقد أطلقت هذه الألقاب الثلاثة: عماد الدولة، وركن الدولة، ومعز الدولة، على الإخوة الثلاثة في يوم واحد، وكان الذي أطلقها عليهم هو الخليفة العباسي المستكفي بالله.
كان هؤلاء الثلاثة حينما قام الديلم بتوسعهم وفتوحهم جنودا في جيش «ما كان بن كالي» ولكنهم ارتقوا بسرعة إلى مرتبة الأمراء، ثم فارقوه بعد أن ضعف أمره وانحازوا إلى قائد ديلمي آخر (مرداويج بن زياد) الذي استولى على بلاد جرجان وطبرستان وقزوين وزنجان وقم والكرج، فزاد نفوذه حوالي سنة 320هـ.
ولما استقرت حال «مرداويج» قدم عليه أبناء بويه الثلاثة فرحب بهم وولّى علي بن بويه بلاد الكرج، ولما وصل علي بن بويه إلى الكرج أحسن إلى الناس ولطف بعمال البلاد فكتبوا إلى مرداويج يشكرونه ويصفون ضبطه للبلاد وحسن سياسته، وصرف كثيرا في استمالة الرجال بالصلات والهبات، فشاع ذكره وقصده الناس وأحبوه.
ولما كان مرداويج بالري أطلق مالا لجماعة من قواده على الكرج ولكن ابن بويه استطاع أن يستميلهم، فوصلهم وأحسن إليهم حتى مالوا إليه، وبلغ ذلك مرداويج فاستوحش وندم على إنفاد أولئك القواد، فكتب إليهم وإلى علي بن بويه يستدعيهم إليه، ولكن ابن بويه أخذ يراوغه واشتغل بأخذ العهود على قواده وخوّفهم سطوة مرداويج فأجابوه جميعا، فجبى مال الكرج، واستأمن إليه «شيرازاد» وهو من أعيان قواد الديلم، فقويت نفسه، وسار بمن معه إلى أصبهان فاستولى عليها من يد المظفر بن ياقوت.
وبلغ ذلك مرداويج فأقلقه وخاف على ما بيده من البلاد فجهّز أخاه وشمكير في
جيش كثيف ليأخذ ابن بويه على غرة، فعلم بذلك فرحل على أصبهان وتوجّه إلى أرجان وبها أبو بكر بن ياقوت فانهزم عنها أبو بكر من غير قتال. وفي سنة 321هـ سار ابن بويه إلى النوبندجان فاستولى عليها، ثم سار إلى اصطخر واستولى عليها أيضا، ثم سار حتى أتى شيراز قصبة فارس فاستولى عليها، ونادى في الناس بالأمان، وعند ما خضعت تلك البلاد لسلطته أحس علي بن بويه بحاجته إلى قوة روحية تسنده، وتثبت سلطانه، فأرسل إلى خليفة بغداد (الراضي بالله) وإلى وزيره (ابن مقلة) يعرفهما أنه على الطاعة ويطلب أن يقاطع على ما بيده من البلاد، وبذل ألف ألف درهم، فأجيب إلى ذلك، وأنفذت إليه الخلع واللواء.