وبلغ ذلك مرداويج فأقلقه وخاف على ما بيده من البلاد فجهّز أخاه وشمكير في
جيش كثيف ليأخذ ابن بويه على غرة، فعلم بذلك فرحل على أصبهان وتوجّه إلى أرجان وبها أبو بكر بن ياقوت فانهزم عنها أبو بكر من غير قتال. وفي سنة 321هـ سار ابن بويه إلى النوبندجان فاستولى عليها، ثم سار إلى اصطخر واستولى عليها أيضا، ثم سار حتى أتى شيراز قصبة فارس فاستولى عليها، ونادى في الناس بالأمان، وعند ما خضعت تلك البلاد لسلطته أحس علي بن بويه بحاجته إلى قوة روحية تسنده، وتثبت سلطانه، فأرسل إلى خليفة بغداد (الراضي بالله) وإلى وزيره (ابن مقلة) يعرفهما أنه على الطاعة ويطلب أن يقاطع على ما بيده من البلاد، وبذل ألف ألف درهم، فأجيب إلى ذلك، وأنفذت إليه الخلع واللواء.
وسيّر علي بن بويه أخاه الأوسط الحسن بن بويه إلى بلاد الجبل ومعه العساكر فاستولى على أصبهان وأزال عنها وعن عدة من بلاد الجبل نواب وشمكير. بعد ذلك خطر ببال علي بن بويه أن يمد سلطانه إلى الأهواز والعراق، لما علمه من ضعف قوة الخليفة ببغداد، فسيّر أخاه الأصغر «أحمد» إلى الأهواز فاستولى عليها بعد حروب بينه وبين «بجكم الرائقي» وانهزم بجكم إلى واسط فلحقه أحمد بن بويه إلى واسط، وفي واسط كاتبه قواد بغداد يطلبون إليه المسير نحوهم للاستيلاء على بغداد فاستجاب لهذا الطلب فسار إلى بغداد حتى وصل إليها يوم 11جمادى الأولى سنة 334، وكان الخليفة بها هو «المستكفي بالله» الذي قابله واحتفى به وبايعه أحمد، وحلف كل منهما لصاحبه، هذا بالخلافة، وذاك بالسلطنة، وفي ذلك اليوم أطلق الخليفة الألقاب على بني بويه الثلاثة فلقب علي بن بويه «عماد الدولة» ولقب الحسن بن بويه «ركن الدولة» ولقب أحمد بن بويه «معز الدولة» [1] .
وخطر ببال معز الدولة أن يزيل اسم الخلافة أيضا عن بني العباس ويوليها خليفة علويا، لأن البويهيين كانوا شيعة زيدية، قد وصلت إليهم التعاليم الإسلامية على يد الحسن بن زيد، ثم على يد الحسن الأطروش، وكلاهما زيدي، فكانوا يعتقدون أن بني العباس قد غصبوا الخلافة من مستحقيها، وهم أبناء علي، ولقد حاول معز الدولة ذلك لولا أن بعض خواصه أشار عليه ألّا يفعل وقالوا له: «إنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس مع أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه، مستحلين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوا» .
فأعرض عما كان قد عزم عليه وأبقى اسم الخلافة لبني العباس، وانفرد هو
(1) تاريخ الأمم الإسلامية «عصر الدولة العباسية» 3/ 378.