كان لعبد الله بن مطيع غلام مولّد قد أدّبه وخرّجه وصيّره قهرمانه، وكان أتاهم قوم من العدوّ في ناحية البحر. فرآه يوما يبكي فقال: ما لك؟ قال: تمنّيت أن أكون حرّا، فأخرج مع المسلمين قال: وتحب ذاك؟ قال: نعم. قال: فأنت حرّ
لوجه الله فاخرج. قال: فإنّه قد بدا لي ألّا أخرج. قال: خدعتني والله.
كان عمر بن هبيرة أميّا لا يقرأ ولا يكتب. وكان إذا أتاه كتاب فتحه ونظر فيه كأنّه يقرؤه فإذا نهض من مجلسه حملت الكتب معه. فيدعو جارية كاتبة ويدفع إليها الكتب فتقرؤها عليه ويأمرها فتوقع بما يريد، ويخرج الكتاب. فاستراب به بعض كتّابه فكتب كتابا على لسان بعض العمال وطواه منكّسا أعلاه إلى أسفله، فلمّا أخذه ونظر فيه ولم ينكره تحقّق أنه أمّي.
قال بعض القضاة لرجل: كيف أقبل شهادتك وقد سمعتك تقول لمغنّية:
أحسنت؟ قال: أليس إنما قلت ذلك بعد سكوتها. فأجاز شهادته.
أتى معن بن زائدة بثلاثمائة أسير من حضرموت فأمر بضرب أعناقهم، فقام منهم غلام حين سال عذاره فقال: أنشدك الله أن تقتلنا ونحن عطاش فقال:
اسقوهم ماء. فلمّا شربوا قال: اضربوا أعناقهم. فقال الغلام: أنشدك الله أن تقتل ضيفانك. قال: أحسنت. وأمر بإطلاقهم.
كان بالأهواز رجل له زوجة، وكانت له أرض بالبصرة، فكان يكثر الانحدار إليها فارتابت زوجته وتتبّعت أثره، فوقفت على أنّه قد تزوّج بالبصرة فاحتالت حتّى صار إليها خطّ عمّ البصريّة، وبعثت به إلى رجل يحكي كلّ خطّ رآه، وأجازته، حتى كتب كتابا عن لسان عمّ البصريّة إلى زوجها يذكر أنّ المرأة قد ماتت، ويسأله التعجيل إليه لأخذ ما تركت، وسمّى مالها وجاريتها. ودسّت الكتاب مع ملّاح قدم من البصرة، فلمّا وصل إليه الكتاب قرأه فلم يشكّ فيه، ودخل وقال لامرأته:
اعملي لي سفرة. قالت: ولم؟ قال: أريد البصرة. قالت: كم هذه البصرة؟ قد رابني أمرك. لعلّ لك بها امرأة، فأنكر، فقالت: احلف. فحلف أن كلّ امرأة له غيرها طالق، سكونا إلى أن تلك قد ماتت، وما يضرّه ذلك. فلمّا حلف قالت: دع السّفرة. قد أغناك الله عن البصرة. قال: وما ذاك؟ قال: قد طلّقت الفاسقة.
وحدّثته بالقصّة فندم.
مرّ شبيب بن يزيد الخارجيّ على غلام قد استنقع [1] في الفرات. فقال: يا
(1) استنقع: أي نزل في الغدير واغتسل.