وولي بعض بني هاشم الكوفة، فلما صعد المنبر قال: الحمد لله، وارتج عليه، فجعل يكرّر ذلك فقال بهلول: الذي ابتلانا بك.
وجاز بهلول بسوق البزّازين، فرأى قوما مستجمعين على باب دكان ينظرون إلى نقب قد نقب على بعضهم، فاطّلع في النّقب، ثم قال: وكلكم لا تعلمون ذا من عمل من؟ قالوا: لا. قال: فإني أعلم. فقال الناس: هذا مجنون يراهم بالليل ولا يتحاشونه، فأنعموا له القول لعله يخبر بذلك. فسألوه أن يخبرهم. فقال: إني جائع، فهاتوا أربعة أرطال رقاق ورأسين، فأحضروا ذلك وأكل، فلما استوفى قال: هوذا أشتهي شيئا حلوا، فأحضروا له رطلين فالوذج فأكله، وفرغ منه وقام وتأمّل النقب، ثم قال: كأنكم الساعة لستم تعلمون هذا من عمل من؟ قالوا: لا. قال: هذا من عمل اللصوص لا شكّ.
وعدا.
ولع الصبيان بعيناوة، وصاحوا عليه، ورموه، فهرب منهم فاستقبلته امرأة معها صبيّ صغير، فدنا منها ولطم الطفل لطمة كادت تأتي عليه، فقالت المرأة:
قطعت يدك! إيش أذنب هذا إليك. قال: يا قحبة هذا يكون غدا شرّا من هؤلاء الكشاخنة [1] .
ركب الهادي يوما، فنظر إلى مجنون يلقّب بكسرة ويرمي من يقول هذا اللقب، ويعمل العجائب فأمر بحمله إلى الدار، فقال له: لم تشتم الناس إذا قالوا لك: كسرة؟ قال: ولم تضرب الأعناق إذا قيل لك: موسى اطبق؟ قال:
أنا لا أغضب من هذا. قال: فصح أنت بي ثلاث مرات، وأصيح مرتين فننظر من يحرد. قال: قد رضيت. فقال الهادي: يا كسرة يا كسرة. ثلاث مرات، وطوّلها، فلم يلتفت المجنون، ولم يتحرك ولم يحرد، ثم صاح: يا موسى اطبق. فلم يتحرّك الهادي، فقال المجنون: ما يتغافل إلا من أمه قحبة. فحرد الهادي، ودعا بالنّطع والسّيف، فقال المجنون: كيف رأيت؟ كان المجنون واحدا، صرنا اثنين. وأنا أيضا هكذا لو قالوا: يا كسرة يا رغيف. ألف سنة ما باليت، ولكن كذا يقولون لي إذا تغافلت. فضحك الهادي وأمر له بجائزة.
قال بعضهم: رأيت مجنونين قد رفعا إلى بعض أصحاب الشرط، وقد تواثبا وتخاصما فقال لأحدهما: لم فعلت هذا؟ قال: لأنه وثب عليّ وشجّني
(1) الكشاخنة: جمع كشخان، وهو الديوث.