ولما حمل إلى المارستان سأل الناس أن يأذنوا له في أن يلمّ ببيته، ويوصي أهله بشيء، فمنعوه، فقرأ: {فَلََا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلََا إِلى ََ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} (50) [يس: الآية 50] .
وقيل له: ما تشتهي من الفاكهة الرطبة؟. قال: لحم. قيل: فمن اليابسة؟
قال: قديد، قيل: فمن الشراب؟. قال: مرقة. قيل: فمن السّماع؟. قال:
نشيش المقالي.
قال قوم لمجنون بالبصرة أديب: عظنا، وهم يهزؤون به فقال: هذه قصورهم، وهذه قبورهم. فأبكاهم.
قال أبو العيناء: حضرت أبا دينار وأبا لقمان الممرورين يتناظران عند ابن أبي داود فقال أبو لقمان لأبي دينار: من أفضل الناس بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟
فقال أبو دينار: أبو بكر الصديق. فقال أبو لقمان: أمّ الكاذب زانية. قال ابن أبي داود: هذا كلام قد انتهى إلى آخره.
كان بهلول يجمع ما يوهب عند مولاة له من كندة، وكانت له كالأمّ، وربما أخفى عنها شيئا ودفنه، فجاء يوما بعشرة دراهم كانت معه إلى خربة فدفنها فيها، ولمحه رجل فلما خرج بهلول ذهب الرجل فأخذ الدراهم، وعاد بهلول فلم يجدها. وقد كان رأي الرجل يوم دفنها فعلم أنه صاحبه، فجاء إليه فقال: اعلم يا أخي أنّ لي دراهم مدفونة في مواضع كثيرة متفرقة، وأريد أن أجمعها في موضع دفنت فيه في هذه الأيام عشرة دراهم فإنّه أحرز من كل موضع، فاحسب بالله كم تبلغ جملتها. قال: هات. قال: خذ عشرين درهما في موضع كذا، وخمسين في موضع كذا، حتى طرح عليه مقدار ثلاثمائة درهم. ثم قام من بين يديه ومرّ فقال الرجل في نفسه: الصواب أن أردّ العشرة إلى موضعها، حتى يجمع إليها هذه الجملة ثم آخذها، فردها. وجاء بهلول فدخل الخربة، وأخذ العشرة، وخرى مكانها، وغطّاه بالتراب ومرّ، وكان الرجل مترصدا لبهلول وقت دخوله وخروجه فلما خرج مرّ بالعجلة، فكشف عن الموضع، وتلوّثت يده بالخرا، ولم يجد شيئا، وفطن لحيلة بهلول عليه.
ثم إنّ بهلولا عاد إليه بعد يومين فقال: احسب يا سيدي عشرين درهما، وخمسة عشر درهما، وعشرة دراهم، وشمّ يدك. فوثب الرجل ليضربه، وعدا بهلول.
وولي بعض بني هاشم الكوفة، فلما صعد المنبر قال: الحمد لله، وارتج عليه، فجعل يكرّر ذلك فقال بهلول: الذي ابتلانا بك.
وجاز بهلول بسوق البزّازين، فرأى قوما مستجمعين على باب دكان ينظرون إلى نقب قد نقب على بعضهم، فاطّلع في النّقب، ثم قال: وكلكم لا تعلمون ذا من عمل من؟ قالوا: لا. قال: فإني أعلم. فقال الناس: هذا مجنون يراهم بالليل ولا يتحاشونه، فأنعموا له القول لعله يخبر بذلك. فسألوه أن يخبرهم. فقال: إني جائع، فهاتوا أربعة أرطال رقاق ورأسين، فأحضروا ذلك وأكل، فلما استوفى قال: هوذا أشتهي شيئا حلوا، فأحضروا له رطلين فالوذج فأكله، وفرغ منه وقام وتأمّل النقب، ثم قال: كأنكم الساعة لستم تعلمون هذا من عمل من؟ قالوا: لا. قال: هذا من عمل اللصوص لا شكّ.