وكتب إلى صديق له تولى ناحية:
أما بعد فإنّي لا أعظك بموعظة الله لأنك غنيّ عنها، ولا أرغّبك في الآخرة لمعرفتي بزهدك فيها. ولكني أقول كما قال الشاعر [1] :
[الطويل]
أحاربن عمر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وكاثر تميما بالغنى، إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق
واعلم أنّ الخيانة فطنة، والأمانة خرق، والجمع كيس، والمنع صرامة، وليست كلّ يوم ولاية، فاذكر أيام العطلة، ولا تحقرنّ صغيرا، فمن الذّود إلى الذّود إبل، والولاية رقدة، فتنبّه قبل أن تنبّه، وأخو السلطان أعمى، عن قليل سوف يبصر. وما هذه الوصية التي أوصى بها يعقوب بنيه، ولكني رأيت الحزم أخذ العاجل، وترك الآجل.
وكتب إلى عيسى بن فرخانشاه: أصبحت منك بين أمرين عجيبين، إن غبت عنا ولا يغيّبنّك الله لزمنا الخوف، واستخفّ بنا النّاس، ولا حظونا بالوعيد، وسدّوا علينا أبواب المنافع فإذا ظهرت ففقر حاضر، وأمل كاذب، وحرمان شامل، كنت أسألك كذا فاستكثرته، وما ظننتك تستكثر. هذا الولي مؤمل بي إليك، فكيف لولدك الذي غذّي بنعمتك وتخرّج في دواوينك، فو الله ما كان أمل سواك، ولا خطر من مكاره الدنيا شيء فأخطرتك بقلبي إلّا هان وخفّ عندي.
وكتب إلى بعضهم: نحن أعزّ الله الأمير إذا سألنا الناس كفّ الأذى سألناك بذل الندى، وإذا سألناهم العدل، سألناك الفضل، وإذا سررناهم ببسط العذر سررناك باستدعاء البرّ.
(1) البيت الأول لأنس بن زنيم في ديوانه ص 114، ولسان العرب (سرق) ، والمقاصد النحوبة 4/ 296، وله أو لأنس بن أبي أنيس في الدرر 3/ 54، ولأبي الأسود الدؤلي في ديوانه ص 177، والعقد الفريد 3/ 60، ولأنس بن أبي أنيس أو لابن أبي إياس الديلي، أو لأبي الأسود الدؤلي في أمالي المرتضى 1/ 384، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 6/ 44، وشرح الأشموني 2/ 469، وهمع الهوامع 1/ 183.