وقال المتوكل يوما لأبي العيناء: كيف شربك النبيذ؟ قال: أعجز عن قليله، وأفتضح عند كثيرة. فقال: دع هذا عنك ونادمنا. فقال: يا أمير المؤمنين إن أجهل الناس من جهل نفسه، ومهما جهلت من الأمر فلن أجهل نفسي، أنا امرؤ محجوب، والمحجوب مخطوف؟ إشارته، ملحود بصره، وينظر إلى من لا ينظر إليه وكل من في مجلسك يخدمك، وأنا أحتاج أن أخدم، وأخرى، فلست آمن أن تنظر إلي بعين غضبان وقلبك راض، أو بعين راض وقلبك
غضبان، ومتى لم أميز بين هاتين هلكت. ولم أقل هذا جهلا بما لي في المجلس من الفائدة فأختار العافية على التّعرض للبلية.
قال أبو العيناء، قال لي المتوكل يوما: بلغني أنك رافضي. فقلت: ألدين أم لدنيا؟ فإن أك للدين ترفّضت فأبوك مستنزل الغيث، وإن أك للدنيا ففي يدك خزائن الأرض. وكيف أكون رافضيّا، وأنا مولاك، ومولدي البصرة، وأستاذي الأصمعي، وجيراني باهلة؟ فقال: إن ابن سعدان زعم ذلك. قلت: ومن ابن سعدان؟ والله ما يفرّق بين الإمام والمأموم، والتابع والمتبوع إنما ذاك حامل درّة، ومعلّم صبية، وآخذ على كتاب الله أجرة. قال: لا تقل فإنه مؤدّب المؤيد. قال: قلت: يا أمير المؤمنين: لم يؤدبه حسبة، إنما أدّبه بأجرة، فإذا أعطيته حقّه فقد قضيت ذمامه.
عزّى أبو العيناء ابن الرّضا رضي الله عنهما عن ابنه فقال له: أنت تجلّ عن وصيتنا، ونحن نقلّ عن عظتك. وفي علم الله ما كفاك، وفي ثواب الله ما عزّاك.
وكتب إلى عبيد الله بن سليمان: أنا وولدي وعيالي زرع من زرعك إن سقيته راع وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى. وقد مسّني منك جفاء بعد برّ، وإغفال بعد تعهّد، حتى شمت عدوّ، وتكلم حاسد، ولعبت بي ظنون رجال [1] :
[الرمل]
وشديد عادة منتزعة
وعزّاه عن أبيه، فقال: عقم والله البيان، وخرست الأقلام، ووهى النظام.
وكتب إلى عيسى بن فرخانشاه: أنا أحمد الله على ما تأتّت إليه أحوالك ولئن كانت أخطأت فيك النعمة، لقد أصابت فيك النقمة، ولئن أبدت الأيام مقابحها بالإقبال عليك، لقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك.
(1) صدره:
لا تهني بعد إكرامك لي
والبيت لأبي الأسود الدؤلي في ملحق ديوانه ص 350، وبلا نسبة في عيون الأخبار 3/ 195.