وقال له الحسن بن سهل في رجل مذنب: هبه لي. قال: وكيف لا أهبه لمن به قدرت عليه.
وخطب بمرو وقد ورد عليه كتاب الأمين يعزّيه بالرشيد، ويحثّه على أخذ البيعة له فقال:
إنّ ثمرة الصبر الأجر، وثمرة الجزع الوزر، والتسليم لأمر الله جلّ وعزّ فائدة جليلة، وتجارة مربحة، والموت حوض مورود، وكأس مشروب. وقد أتى على خليفتكم رضي الله عنه ما أتى على نبيّكم صلّى الله عليه وسلّم، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، فما كان إلا عبدا دعي فأجاب، وأمر فأطاع، وقد سدّ أمير المؤمنين ثلمته وقام مقامه، وفي أعناقكم من العهد ما قد عرفتم فأحسنوا العزاء عن إمامكم الماضي، واغتبطوا بالنعماء بالوفاء لخليفتكم الباقي. يا أهل خراسان:
إنّ الموت نازل، والأجل طالب، وأمس واعظ، واليوم مغتنم، وغد منتظر. ثم نزل.
وكتب إليه يزيد بن عقال يثني على عبد الله بن طاهر فوقّع المأمون في كتابه: عبد الله كما ذكرت، وعلى أكثر مما وصفت. قد حمّله أمير المؤمنين فاحتمل، وأثقله فاضطلع.
كانوا يسمّون أرصاد السلطان المسالح من السّلاح، فكره ذلك المأمون فصيّره المصالح من المصلحة.
وقال: إذا أصلح الملك مجلسه، واختار من يجالسه صلح ملكه كلّه.
ورفع أهل الكوفة قصة إليه يشكون عاملا فوقّع: عيني تراكم، وقلبي يرعاكم، وأنا مولّ عليكم ثقتي ورضاكم.
وشغب الجند فرفع ذلك إليه فوقّع: لا يعطون على الشّغب، ولا يحوجون إلى الطّلب.
وناظر يوما محمد بن القاسم النّوشجاني، فجعل يصدقه ويفضي له، فقال له المأمون: تنقاد لي إلى ما تظنّ أنه يسرّني، قبل وجوب الحجة عليك ولو شئت أن أقتسر الأمور بفضل بيان، وطول لسان، وأبّهة الخلافة، وسطوة الرياسة لصدّقت وإن كنت كاذبا، وصوّبت وإن كنت مخطئا، وعدلت وإن كنت
جائرا، ولكني لا أرضى إلا بإزالة الشّبهة، وغلبة الحجة، وإنّ شرّ الملوك عقلا، وأسخفهم رأيا من رضي بقولهم: صدق الأمير.