قال يحيى بن أكثم: ما شيت المأمون في بستانه، ويده في يدي، فكان في الظلّ، وأنا في الشمس. فلما بلغنا ما أردنا. ورجعنا صرت أنا في الفيء وصار هو في الشمس فدرت أنا إلى الشمس فقال: ليس هذا بإنصاف، كما كنت أنا في الفيء ذاهبا فكن أنت في الفيء راجعا. قال المأمون: أقمت زمانا أداري الرشيد في أربعة أشياء: منها أنه كان يزعم أن بغداد أطيب بلاد الله، وكنت أستوبئها. وكان يقول: إن وجدت رجلا يقدّم علي بن أبي طالب على من تقدّمه ضربته الحد، وكنت ممن يقدّمه. وكان يقول: ضعوا الأموال مواضعها فإنّكم إن صرفتموها عن أهلها ووضعتموها في غيرهم كنت كمن بذر
في السباخ، وكان المال عندي بمنزلة الحجارة، وأنسيت الرابعة. قالوا: كانت الرابعة حبّ الرشيد للفضل بن الربيع، وبغض المأمون له.
كان يقول: أنا والله أستلذّ العفو حتى أخاف ألّا أوجر عليه ولو عرف الناس مقدار محبتي للعفو لتقرّبوا إليّ بالذّنوب.
وكان يقول: شرب الماء بالبلح أدعى إلى إخلاص الحمد.
قال الجاحظ: سمعته يقول: الإرجاء دين الملوك.
وكان يحبّ الشّطرنج واللعب بها، ويقول: هو لهو فكريّ. ولم يكن حاذقا بها فكان يقول: أنا أدبّر أمر الدنيا فأتّسع لذلك، وأضيق عن تدبير شبرين في شبرين، وله في الشّطرنج شعر معروف.
كان العباس ابنه مولعا بشرى الضّياع، والمعتصم أخوه بشرى الغلمان فكان المأمون إذا رآهما تمثّل [1] : [الكامل]
يبني الرّجال، وغيره يبني القرى ... شتّان بين قرى وبين رجال
قلق بكثرة ماله وجياده ... حتى يفرّقها على الأبطال
وقيل له: إن دعبلا قد هجاك فقال: من يجسر أن يهجو أبا عباد على خرقه وعجلته يجسر أن يهجوني.
وكان يقول: إذا وضحت الحجّة ثقل عليّ استماع المنازعة فيها.
وحدّثه يوما المدائني، فقال: إنّ معاوية قال: بنو هاشم أسود واحدا ونحن أكثر سيّدا. فقال المأمون: يا عليّ إنه قد أقرّ وادّعى فهو في ادعائه خصم، وفي إقراره مخصوم.
قال ابن أبي داود: سمعته يقول لرجل: إنما هو عذر أو يمين، وقد وهبتهما لك فلا تزال تسيء وأحسن، وتذنب وأعفو حتى يكون العفو هو الذي يصلحك.
(1) البيت الأول بلا نسبة في لسان العرب (بني) ، وتاج العروس (بني) .