فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 1777

وكان جعفر أخوه يقول: لا تمتحن هذا فقلّ من امتحنه إلا امتحن فيه.

فجلس يوما وأحضر جميع من يحبّ حضوره، فبينا هو على أتمّ أمر، وأسرّ حال إذ سمع صراخا، فسأل عنه، فكتم، فألحّ، فعرف أن ابنته ولا ولد له غيرها صعدت درجة فسقطت منها فماتت. فلم يف سروره صدر نهاره بما عقب من غمّه فكان يقول كثيرا:

تفردت بالكمال ... وبالعز والجلال

وملك بلا نفاد ... نراه ولا زوال

وشبيه بهذا ما اتّفق على يزيد بن عبد الملك فإنه أحب أن يخلص له يوم فتقدّم بأن تطوى عنه الأخبار، وأجل حبابة عن يمينه، وسلّامة عن يساره، يشرب وتغنّيان، فلمّا صلّيت العصر شربت حبابة قدحا، وتنقّلت بحبّ رمّان فشرقت به وماتت، فكمد عليها يزيد، ومات بعد خمسة عشر يوما.

وكان جعفر بن سليمان نهاية في الجلالة والشرف، ولي المدينة للمنصور بعد انقضاء أمر محمد وإبراهيم. فأعطى الأموال. ووصل الشعراء وأمّن الناس، وشفع فيهم. ويقال إنه سقط من ظهره إلى الأرض ما به نسمة من ذكر وأنثى.

قال الأصمعي: ما رأيت أكرم أخلاقا ولا أشرف فعالا من جعفر بن سليمان فتغدينا معه فاستطاب الطعام، فقال لطبّاخه: قد أحسنت وسأعتقك وأزوّجك. فقال الطباخ: قد قلت يا سيدي هذا غير مرة وكذبت. قال: فو الله ما زاد على أن ضحك، وقال لي: يا أصمعي، إنما يريد البائس «وأخلفت» قال الأصمعي: وإذا هو قد رضي بأخلفت.

ذكر الأصمعي أن ابن ميّادة [1] امتدح جعفر بن سليمان فأمر له بمائة ناقة، فقبّل يده وقال: والله ما قبلت يد قرشي غيرك إلا واحدا. فقال: أهو المنصور؟

(1) ابن ميادة: هو الرماح بن أبرد بن ثوبان، يعرف بابن ميادة، وميادة أمّه، وهو شاعر مخضرم أدرك الدولتين الأموية والعباسية، مدح من بني أمية الوليد بن يزيد، وعبد الواحد بن سليمان، وبقي إلى زمن المنصور ومدح من بني هاشم أبا جعفر المنصور، وجعفر بن سليمان، توفي سنة 136هـ (معجم الشعراء المخضرمين والأمويين ص 482) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت