فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 1777

الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التّوبة: الآية 33] من اعتصم بالله ورسوله فقد اعتصم بالعروة الوثقى، وسعد في الآخرة والأولى ومن لم يعتصم بالله ورسوله فقد ضلّ ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتّبع رضوانه ويجتنب سخطه فإنما نحن به وله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته، وأرضى لكم ما عند الله، فإنّ تقوى الله أفضل ما تحاثّ عليه الصالحون وتداعوا إليه، وتواصوا به. واتقوا الله ما استطعتم ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون.

وكان محمد من رجال بني هاشم وشجعانهم، وأمّه وأمّ أخيه جعفر وأخته زينب أمّ حسن بنت جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وكان له خمسون ألف مولى أعتق منهم عشرين ألفا.

وخرج يوما إلى باب داره بالمربد في عشيّة من عشايا الصيف، فرأى الحرّ شديدا، فقال: رشّوا هذا الموضع، فخرج من داره خمسمائة عبد بخمسمائة قربة مملوءة ماء، فرشّوا الشارع حتى أقاموا الماء فيه.

وكانت غلّته في كل يوم مائة ألف درهم، وسمع دعاؤه في السّحر اللهم أوسع عليّ؟ فإنه لا يسعني إلا الكثير.

ولما مات المنصور بمكة، وتلوّى الناس على الربيع في تجديد البيعة للمهدي، جرّد محمد سيفه، وقال: والله لئن امتنع أحد منكم عن البيعة لأرمينّ برأسه، فبادروا إلى البيعة، فشكر المهديّ ذلك فرفعه وزوّجه ابنته العباسة، ونقلها إليه، وهي أول بنت خليفة نقلت من بلد إلى بلد.

ولما أراد أن يدخل بالعباسة شاور كاتبه حمادا في اللباس الذي يلبسه في كلّ يوم، فأشار عليه بألّا يتصنّع، ويقتصر على ما كان يلبسه في كل يوم، فلم يقبل منه، وعمد إلى ثياب دبيقيّة كأنها غرقئ البيض فلبسها، فرأتها عليه، فلما كان الغد دخل عليها وإذا هي في دار قد فرشت بالدّبيقّي الذي يشابه ما لبس أو يزيد عليه، فعلم أن كاتبه كان قد نصحه وتمثّل:

[الطويل]

أمرتكم أمري بمنعرج اللّوى ... فلم تستبينوا الرّشد إلا ضحى الغد [1]

وكان يتصدّق في كل سنة بخمسمائة ألف درهم، ويوم الفطر بمائة ألف وفي كل يوم بكرّين من الدقيق.

ولم يكن له ولد إلا بنت واحدة، وماتت قبله، فذكر أنه قال: أشتهي والله أن يصفو لي يوم لا يعارض سروري فيه هم.

(1) البيت لدريد بن الصمة في ديوانه ص 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت