فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 1777

وإذا أمضى أمير المؤمنين بهذا سنّة في حداثة ملك وأوائل دولة، لا يؤمن أن

يستنّ به ولده ويقع منه ما لا تلافي له، ولا بقيا معه. وأمير المؤمنين يعلم أن من جعل هذا الأمر إليه وله، من غير شرط فيه عليه محكم في تدبيره، مخيّر في تصريفه، ولا شرط عليّ في تسليم الأمر من بعدي إلى أحد ذكر ولا شخص عيّن، وقد جعلته لمحمد بعدي، طالبا بذلك رضا أمير المؤمنين، وتابعا موافقته، وتاركا مخالفته فإن رأى أمير المؤمنين أن يرعى سالفتي وقرابتي، ويعرف اجتهادي ومناصحتي، ويذكر مخالطتي وكفايتي، ويقبل ذلك مني، ويأمر بكفّ الأذى عني فعل إن شاء الله.

فكتب إليه المنصور جوابا أغلظ فيه وخوفّه بادرة أهل خراسان فأنعم له بما أراد من تقديم المهدي على نفسه، ثم سأله المهدي لما أفضي الأمر إليه أن يخلع نفسه ويجعل العهد لموسى ابنه، ففعل. وكان يقول: ما لقي أحد ما لقيت. كلّ أهلي أمنوا بعد خوف، وأنا خفت بعد أمن، وسممت مرتين، وخلعت مرتين. مع قديم بلائي، وطول غنائي.

كان عبد الملك بن صالح واليا للرشيد على الشام. فكان إذا وجه سرية إلى أرض الروم أمّر عليها أميرا شهما، وقال له: اعلم أنّك مضارب الله بخلقه فكن بمنزلة التاجر الكيّس، إن وجد ربحا تجر، وإلّا احتفظ برأس المال، وكن من احتيالك على عدوّك أشد حذرا من احتيال عدوّك عليك.

وولي العباس بن زفر الثغر، فودّعه فقال يا عباس: إن حصن المحارب من عدوّه حسن تدبيره، والمقاتل عنه جليد رأيه وصدق بأسه وقد قال ابن هرمة: [الطويل]

يقاتل عنه الناس مجلود رأيه ... لدى البأس، والرأي الجليد مقاتل

وقال له الرشيد مرة وقد غضب عليه: يا عديّ الملك، والله ما أنت لصالح بولد. قال: فلمن أنا؟ قال: لمروان بن محمد، أخذت أمّك وهي حبلى بك، فوطئها على ذاك أبوك فقال عبد الملك: فحلان كريمان، فاجعلني لمن شئت منهما.

وهذا شبيه بما قاله مروان بن محمد حين بلغه أن الناس يقولون إنّ هذه الشجاعة التي لأمير المؤمنين لم تكن لأبيه ولا لجدّه، وإنما جاءته من قبل

إبراهيم بن الأشتر فإنّ أمّه كانت له، وصارت لمحمد بن مروان وهي حامل بعده فقال: ما أبالي لأيّ الفحلين كنت، كلاهما شريف كريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت