يلحظون العواقب لحظك. فكن لي عليهم نصيرا، ومنهم مجيرا، يجزك الله خير جزائك عن صلة الرحم وقطع الظلم إن شاء الله.
وكتب إليه أيضا:
بسم الله الرّحمن الرّحيم {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذََا عََاهَدُوا وَالصََّابِرِينَ فِي الْبَأْسََاءِ وَالضَّرََّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ}
[البقرة: الآية 177] . وقال عزّ وجلّ: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كََانَ مَسْؤُلًا}
[الإسراء: الآية 34] قرأت كتاب أمير المؤمنين وتفهمته، وأمعنت النظر فيه كما أمر وتبحّرته، فوجدت أمير المؤمنين إنما يزيدني لينقصني، ويقرّبني ليبعدني. وما أجهل ما لي في رضاه من الحظّ الجزيل، والأثر الخطير. ولكن سامني ما تشحّ به الأنفس وتبذل دونه، وما لا يسمح به والد لولده ما دام له حظّ. وقد علم أمير المؤمنين أنّه يريد هذا الأمر لابنه لا له، وهو صائر إليه أشغل ما يكون عنه، وأحوج إلى حسنة قدّمها وسيئة اجتنبها. ولا صلة في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت في ذات الله. وقد دعيت إلى ما لا صبر عليه وما لم ير غيري أجاب إليه، من حلّ العقد ونقض العهد، وهذا هشام بن عبد الملك، ملك عجز دولة طالت أيامهم فيها، وكثرت صنائعهم بها. فلم يمت حتى حضر بين يديه عشرة من ولده، أصغرهم في سنّ من يريد أمير المؤمنين رفعه بوضعي وصلته بقطعي، فلم ير أن ينقض ما عقده أخوه يزيد بن عبد الملك لابنه الوليد بن يزيد بعده، وهو يقاسي منه عنتا، ويتجرّع له غيظا خوفا على الملك، وإشفاقا من الملك، وحذارا من مغبّة الظلم وتأسيس الغدر، حتى سلّم إليه الأمر أغضّ ما كان وأنضره ورآه غالبا على أمره موكلا بخزائنه، وروحه بعد في جسده، ولسانه دائر في فمه، وأمره نافذ في رعيّته. لو تقدم بسور فيه لأسرع به إليه، فكان أكثر ما عنده لمّا عرف، وامتلأ بأصحابه داره تحسّرا وتأسفا: إنا لله. لا أراني إلا خازنا للوليد إلى اليوم. اللهمّ أنت لي، فقد حضر أجلي على سوء من عملي.
وما هشام بأعلم من أمير المؤمنين بالله، ولا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا أمضى أمير المؤمنين بهذا سنّة في حداثة ملك وأوائل دولة، لا يؤمن أن
يستنّ به ولده ويقع منه ما لا تلافي له، ولا بقيا معه. وأمير المؤمنين يعلم أن من جعل هذا الأمر إليه وله، من غير شرط فيه عليه محكم في تدبيره، مخيّر في تصريفه، ولا شرط عليّ في تسليم الأمر من بعدي إلى أحد ذكر ولا شخص عيّن، وقد جعلته لمحمد بعدي، طالبا بذلك رضا أمير المؤمنين، وتابعا موافقته، وتاركا مخالفته فإن رأى أمير المؤمنين أن يرعى سالفتي وقرابتي، ويعرف اجتهادي ومناصحتي، ويذكر مخالطتي وكفايتي، ويقبل ذلك مني، ويأمر بكفّ الأذى عني فعل إن شاء الله.